المعادن أتبعه بضرب المثل بالزبد الحاصل من النار أي خلقت لكم الأرض التي كانت دخانا ثم ماء مبيضا بياضا فجعلت لأجلكم منها كل شيء ومنه الفلزات أي المعادن وفيها وجهان :
(الأول) : أنه خاطب للمذكورين في قوله : (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) [الرّعد : الآية ١٦].
(الثاني) : أنه يجوز أن يكون خطابا عاما يراد به الكافة كأنه قال : ومما توقدون عليه في النار أيها الموقدون.
(في بيان تقسيم النار إلى قسمين)
أقول : النار على قسمين سائلة وغير سائلة. بيان الأولى التي تركبت منها الكرة ، وهو السائل الناري المائي أي الماء المبيض بالنار بعد الاحمرار المؤثر على الاجرام المذابة فيه بقوة مساوية لقوته الانبساطية ، ولا يمكننا حسبان تلك القوة. وبيان الثانية ما توقد على المعادن ابتغاء الحلية كالموقد على الذهب الفضة أو ابتغاء المتاع كالموقدة على الحديد والنحاس والرصاص وغيرها. وقوله زبد مثله أي زبد مثل زبد الماء الذي يحمل السيل ، ثم قال تعالى : (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ) [الرّعد : الآية ١٧].
والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل. ثم قال : (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً) [الرّعد : الآية ١٧]. أي دخانا يختلط بالجو ويتحد ويتحلل ، فتنتشر ثانيا الكائنات التي صعدتها أولا ، لكن بهيئة أخرى وبشكل جديد ، ثم قال تعالى : (وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) [الرّعد : الآية ١٧]. والمعنى أن الزبد قد يعلو على وجه الماء ويربو وينتفخ إلا أنه في الآخرة يضمحل ، وتبقى الجواهر الصافية من الماء كالمعادن وغيرها في الأرض ، فكذلك الشبهات والخيالات تقوى وتعظم إلا أنها في الآخرة تبطل وتضمحل وتزول ، ويبقى الحق ظاهرا لا يشوبه شيء من الشبهات. (فإن قيل) : هل يعلم قدر المدة التي تصير فيها الأرض كاملة التكون؟ قلت : لا يعلم ذلك كما قال تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) (٣٨) [ق : الآية ٣٨].
(اعلم) أن الأجسام ثلاثة أجناس : أحدها السماوات ، وثانيها الأرض وثالثها ما بينهما ، وقد خلق أعيانها في ستة أيام إشارة إلى ستة أطوار ، والذي يدل عليه ويقرره هو أن المراد من الأيام لا يمكن أن يكون هو المفهوم في وضع اللغة ؛ لأن اليوم عبارة في اللغة عن أزمان مكث الشمس فوق الأرض من الطلوع إلى الغروب ، وقبل خلق السماوات والأرض لم
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
