إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال. بل لما كان شفاء للبعض ومن بعض الأدواء صلح ؛ لأن يوصف بأن فيه شفاء ، والذي يدل على أنه شفاء في الجملة أنه لو تعين من الأودية الشفائية لكل داء ، وقدمت لخلايا مختلفة لكل خلايا دواء مخصوص لجعل تعالى لكل عسل من هذه الخلايا دواء ، روى أبو سعيد الخدري أنه جاء رجل إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقال : إن أخي يشتكي بطنه. فقال : اسقه عسلا فذهب فسقاه. ثم رجع ، فقال : قد سقيته فلم يغن عنه شيئا ، فقال عليه الصلاة والسّلام : «اذهب واسقه عسلا فذهب فسقاه فكأنما نشط من عقال ، فقال : صدق الله وكذب بطن أخيك. (قلنا) : لعله عليهالسلام علم بنور الوحي أن ذلك ، العسل سيظهر نفعه ذلك فلما يظهر نفعه في الحال أمره به ثانيا مع أنه عليهالسلام كان عالما بأنته سيظهر نفعه بعد ذلك ، فكان قطعا هذا ، وهو عدم تأثيره في الحال جاريا مجرى الكذب فهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ.
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [النّحل : الآية ١١] واعلم أن تقرير هذا فيه وجوه : (الأول) : اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة مثل بناء البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرناها. (الثاني) : اهتداؤها إلى جمع تلك الأجزاء التناسلية والطحلبية والشمعية من الأشجار (الثالث) : إلهام النحل إلى جمعها بعد تفريقها ، وكل ذلك أمور عجيبة دالة أن إله العالم بين ترتيبه على رعاية الحكمة والمصلحة ومن العجائب أيضا أن جعل تعالى للنحل سلاحا تتمة لها من الحكمة الإلهية ، وهو هذا الجهاز ولا يوجد إلا في النحل الإناث وفي النحل الشغال ، وأما النحل الذكر فلا زبان له ويتكون هذا الجهاز من غدتين وزبان أما الغدتان فشكلهما على هيئة كيس أنبوي مستطيل ، وكل منهما ينتهي بقناة صغيرة ، وتنضم هاتان القناتان فتتكون عنهما قناة واحدة تنفتح في المستودع الذي هو كيس يتصل بقاعدة الزبان ، وأما الزبان فهو موضوع في الطرف الخلفي للجسم ، وهو مكون من قاعدة وغمد وجسم واخز أي سهم ، فالقاعدة مكونة من جملة قطع غضروفية عدتها من ستة إلى ثمانية ، والغمد ساق ذو قوام قرني ، والسهم مكون من مسبرين داخلين في الغمد وقمة حادة ومزينة من الظاهر بنحو عشرة أسنان صغيرة مدببة ، ومتى أراد النحل أن يلدغ يخرج زبانه بأن يقلص ، فالغمد الذي هو مدبب يدخل في الجزء الملدوغ ويعطي نقطة ارتكاز للقاعدة والمسبران يدخلان في الجلد إلى غور أكثر من المتقدم ويلتصقان به بسبب مسنناتهما حتى أن الحيوان متى أراد الفرار يترك الزبان من جسمه بكلية ، فيحدث تمزقا في شرجه ويبقى الزبان في الجرح حينئذ ، وتموت الحشرة بعد زمن يسير ، ومتى دخل الزبان في المنسوج يحفظ حركة ارتعاش في جميع الاتجاهات تمكث بعض دقائق
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
