تلك الشبهة في قلبه ، ويخرج بسببها عن الدين ، فإن للحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوه ، ويكون غرضه من ذلك أن يجيب عنها ويزيل أثرها من قلبه ، فبمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض تكون جائزة فكذا هاهما.
(ورابعها) أن يكون ذلك أمرا ، بل يكون معناه إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حسا لكي ينكشف الحق.
(وخامسها) : أن موسى عليهالسلام لا شك أنه كان كارها لذلك ، ولا شك أنه نهاهم عن ذلك بقوله : (وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ) [طه : الآية ٦١]. وإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون قوله : (أَلْقُوا) [الأعراف : الآية ١١٦]. أمر لهم بذلك ؛ لأن الجمع بين كونه ناهيا وآمرا بالفعل الواحد محال فعلمنا أن قوله غير محمول على ظاهره ، وحينئذ يزول الإشكال.
(السؤال الثاني) لم قدمهم في الإلقاء على نفسه مع أن تقديم استماع الشبهة على استماع الحجة غير جائز ، فكذا تقديم إيراد الشبهة على إيراد الحجة وجب أن لا يجوز لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة ، ثم لا يتفرع لإدراك الحجة بعده ، فيبقى حينئذ في الكفر والضلال ، وليس لأحد أن يقول إن ذلك كان بسبب أنه لما قدموه على أنفسهم فهو عليهالسلام قابل ذلك بأن قدمهم على نفسه ؛ لأن أمثال ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس ، فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير جائز ، والجواب إنه عليهالسلام كان قد أظهر المعجزة مرة واحدة ، فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى ، والقوم إنما جاؤوا لمعارضته ، فقال عليهالسلام : لو أني بدأت بإظهار المعجزة أو لا لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر ، وقصد إبطال المعجزة ، وذلك غيره جائز ، ولكني أفوض الأمر إليهم حتى أنهم باختيارهم يظهرون ذلك السحر ، ثم أنا أظهر المعجزة التي تبطل سحرهم ، فيكون على هذا التقدير سببا لإزالة الشبهة وأما على التقدير الأول فإنه يكون سببا لوقوع الشبهة فكان ذلك أولى ، [قوله : (فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) [طه : الآية ٦٦]. ففيه مسائل :
(المسألة الأولى) :
قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ألقوا حبالهم وعصيهم ميلا من هذا الجانب وميلا من هذا الجانب فخيل إلى موسى عليهالسلام أن الأرض كلها حيات ، وأنها تسعى فخاف ، فلما قيل له : (وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا) [طه : الآية ٦٩]. ألقي عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم ، ثم أخذت تزداد عظما حتى ملأت الوادي ، ثم صعدت وعلت حتى علقت من
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
