ذنبها بطرف القبة ، ثم هبطت فأكلت كل ما عملوا في الميلين ، والناس ينظروا إليها لا يحسبون أنه سحر ، ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها ثمانين ذراعا ، فصاح بموسى ـ عليهالسلام ـ فأخذها فإذا هي عصاه كما كانت ونظرت السحرة ، فإذا هي لم تدع من حبالهم وعصيهم شيئا إلا أكلته وحققوا أمرها فوجدوها حيوانا حقيقيا لا حيلة فيها ، بل حيوانا ذا رئة وتنفس وأوردة ، فعرفت السحرة أنه ليس بسحر ، فخروا سجدا وقالوا : آمنا برب العالمين رب موسى وهارون عليهماالسلام.
(المسألة الثانية)
الهاء في قوله : (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) [طه : الآية ٦٦]. كناية عن موسى عليهالسلام ، والمراد أنهم يلقون في سحرهم المبلغ الذي صار يخيل إلى موسى ـ عليهالسلام ـ أنها تسعى كسعي ما يكون حيا من الحيات لا أنها كانت حية في الحقيقة ، ويقال : إنها جلود حيات محشوة بجواهر غازية مختلفة الأجناس مضادة الطبيعة فإذا سخنت من حرارة الشمس تفعل أفعالا مضطربة تتحرك ، ولما كثرت واتصل بعضها ببعض فمن رآها كان يظن أنها تسعى.
فأما ما روى عن وهب أنهم سحروا أعين الناس وعين موسى ـ عليهالسلام ـ حتى تخيل ذلك مستدلا بقوله تعالى : (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) [الأعراف : الآية ١١٦] وبقوله تعالى : (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) [طه : الآية ٦٦]. فهذه غير جائز لأن ذلك الوقت وقت إظهار المعجزة والأدلة وإزالة الشبهة ، فلو صار بحيث لا يميز الوجود عن الخيال الفاسد لم يتمكن من إظهار المعجزة فحينئذ يفسد المقصود ، فإذا المراد أنه شاهد أشياء لو لا علمه بأنها لا حقيقة لها لظن فيها أنها تسعى ، وأما قوله تعالى : (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى) (٦٧) [طه : الآية ٦٧]. فالإيجاس استشعار الخوف أي وجد في نفسه خوفا (فإن قيل) إنه لا مزيد في إزالة الخوف على ما فعله الله تعالى في حق موسى عليهالسلام ، فإنه كلمه أولا وعرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد ، ثم سيرها كما كانت بعد أن كانت أعظم هولا من الثعابين ، ثم إنه أعطاه الاقتراحات الثمانية ، وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن الثمانية ، ثم قال له بعد ذلك كله : (إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى) [طه : الآية ٤٦]. فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه؟ فالجواب من وجوه :
(أحدها) : أن ذلك الخوف إنما كان لما طبع الآدمي عليه من ضعف القلب ، وإن كان قد علم موسى ـ عليهالسلام ـ أنهم لا يصلون إليه ، وأن الله ناصره ، وهذا قول الحسن.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
