(المقالة الثالثة والأربعون)
في قوله تعالى : (وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) [الأنعام : الآية ١٤٢] اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية إنعامه على عباده بالمنافع النباتية ذكر إنعامه عليهم بالمنافع الحيوانية فقال : (وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً) وهاهنا مسألتان :
(المسألة الأولى) : الواو في قوله : (وَمِنَ الْأَنْعامِ) [الأنعام : الآية ١٤٢]. توجب العطف على ما تقدم من قوله : (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ) [الأنعام : الآية ١٤١]. والتقدير وهو الذي أنشأ جنات معروشات ، وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا ، وكثرت أقوالهم في تفسير الحمولة والفرش ، وأقربها إلى التحقيق والتحصيل وجهان : (الوجه الأول) : أن الحمولة ما تحمل الأثقال ، والفرش ما يفرش للذبح ، أو ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش. (الثاني) : الحمولة الكبار التي تصلح للحمل ، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض بسبب صغر أجسامها مثل الفرش المفروش عليها ، ثم قال تعالى : (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) [الأنعام : الآية ١٤٢]. يريد ما أحلها لا ما حرمها ، ولنذكر هنا طرفا من استعمال اللحوم ومنها وما يتولد منها فنقول : استعمال اللحم (١٢) فكثيرا ما يوجد في اللحم العضلي من الحيوانات الكبيرة السن وكذا الطيور متحد مع المادة الهلامية ، وهذا الغذاء هو الأكثر مكثا في المعدة ، ويستدعي كثرة فعل من المعدة ويظهر حرارة تقوى دورة الدم ينشأ عنها إفراز كثير من بعض عصارات ضرورية للهضم كما قلنا ، ويعطي جميع الأعضاء أعظم ما يكون من القوة ، فإن استعمل بإفراط كان سببا من الأسباب المتواترة للأمراض الالتهابية وأنواع النزيف وغير ذلك ، وهذا الغذاء من بين الأغذية هو الأكثر تنبيها وتغذية وهو على الخصوص المناسب للذين بنيتهم أو تركيبهم ضعيف واللينفاويين ، والذين صناعتهم متعبة تستدعي شدة قوة بالعضلات ، وسكان الأماكن الباردة خصوصا في زمن الشتاء ، فإنه ينبغي أن يكون لهم في هذا الغذاء ، وينبغي اختيار صنع اللحم فإن المشوي والمسلوق منها مفضل على غيره من أنواع الأطبخة كاليخني المعروف ، وأمراق اللحوم مغذية كثيرا ؛ لأنها مركبة من الأجزاء المغذية بالأكثر مصلحة للأجسام سهلة الهضم جدا بسبب قلة التركيب فيها ، وأما خاصية التنبيه فهي مختلفة على حسب نوع اللحم الذي تتخذ منه ، وكذا على حسب قلتها وكثرتها وتدبير اللحوم إذا تغيرت أن يوضع على اللحم الذي بدت فيه النتانة مقار من الفحم ، ويغلي معه في الماء الذي يطبخ فيه ، والأغذية الزلالية
__________________
(١٢) قوله : فنقول استعمال اللحم ... إلخ. كذا بالأصل ، وليحرر. اه.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
