حككته عليه ، والذي يخرج من بينهما مأخوذ يقال له : السنن. وسمي المسن مسنا ؛ لأن الحديد يسن عليه.
(السابع) : قال الزجاج : هذا اللفظ مأخوذ من كون المسنون بمعنى الموضوع على سنن الطريق ؛ لأنه متى كان كذلك ، فلا بدّ أن يتغير تغيرا ما.
(الثامن) : قال أبو عبيدة : المسنون المصوب ، يقال : سن الماء على وجهه إذا صبه.
(التاسع) : قال سيبويه : المسنون الطين الرطب. وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة ؛ لأنه إذا كان رطبا يسيل ، وينبسط على الأرض فيكون مسنونا ، أي مصبوبا ، ثم حوّله الله تعالى إلى جوهر آخر ، كما تقدم تفسيره موضحا.
«المقالة الخامسة»
في قوله تعالى : (إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ)[ص : الآيتان ٧١ ـ ٧٢].
اعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر ؛ وذلك لأن إبليس إنما وقع فيما وقع فيه ؛ بسبب الحسد والكبر ، والكفار إنما نازعوا محمّدا صلّى الله تعالى عليه وسلم ، بسبب الحسد والكبر أيضا ، فالله تعالى ذكر هذه القصة هاهنا ليصير سماعها زاجرا لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين ، والحاصل أنه تعالى رغب المكلفين في النظر والاستدلال ، ومنعهم عن الإصرار والتقليد ، وذكر في تقرير هذا النظر أمور ثلاثة : (أوّلها) : أنه نبأ عظيم ، فيجب النظر والتأمل فيه مع الاحتياط ؛ لأجل الاستدلال. (والثاني) : وأن قضية سؤال الملائكة عن الحكمة في تخليق البشر ، يدل على أن الحكمة الأصلية في تخليق آدم هي المعرفة والطاعة لا الجهل والتكبر. (والثالث) : إن إبليس إنما خاصم آدم ـ عليهالسلام ـ لأجل الحسد والكبر ، فيجب على العاقل أن يحترز عنهما ، فهذا هو حسن النظم في هذه الآيات.
(أسئلة) : الأوّل : أن هذا النظم إنما يصح لو أمكن خلق البشر ، لا من الطين كما إذا قيل : إن متّخذ سوار من ذهب ، فهذا إنما يستقيم لو أمكن اتخاذه من فضة أو من غيرها.
(الثاني) : ذكر هاهنا أنه خلق البشر من طين ، وفي سائر الآيات ذكر أنه خلقه من غيره ، كقوله تعالى : (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) [آل عمران : الآية ٥٩]. وكقوله : (مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) [الحجر : الآية ٢٦].
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
