كالدلالة على أن القلب آلة ، فهذا العقل هو الأفئدة فوجب جعل القلب محلا للتعقل ، وسمي الجهل بالعمي ؛ لأن الجاهل لكونه متحيرا يشبه الأعمى ، وأما القلب نفسه فما هو إلا آلة لدفع الدم ، وتغذية الأفئدة ، وتعويض ما نقض منها من الإحساسات وغيرها.
«المقالة الثلاثون»
في قوله تعالى : (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) [الرّوم : الآية ٥٤]. أي مبناكم على الضعيف كما قال تعالى : (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء : الآية ٣٧]. ومن هاهنا لبيان حال الخلق ، كما تكون في قول القائل : فلان زين فلانا من فقره وجعله غنيا. أي من حالة فقره ، ثم قال تعالى : (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) [الرّوم : الآية ٥٤]. فقوله : من ضعف. إشارة إلى حالة كان فيها جنينا وطفلا ومولودا ورضيعا ومفطوما فهذه أحوال غاية الضعف ، وقوله : (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) [الرّوم : الآية ٥٤]. إشارة إلى حالة بلوغه وانتقاله وشبابه واكتهاله.
«المقالة الحادية والثلاثون»
في قوله : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (١٤) [لقمان : الآية ١٤]. لما منعه من العبادة لغيره سبحانه وتعالى والخدمة قريبة منها في الصورة بين أنها غير ممتنعة ، بل هي واجبة لغير الله في بعض الصور مثل خدمة الأبوين ، ثم بين السبب فقال : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ) إلخ. يعني لله تعالى على العبيد نعمة الإيجاد ابتداء بالخلق ونعمة الإبقاء بالرزق ، وجعل بفضله للأم ماله صورة ذلك وإن لم يكن لها حقيقة ، فإن الحمل به يظهر الوجود ، وبالرضاع يحصل التربية والبقاء ، فقال : (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ) [لقمان : الآية ١٤]. أي صارت بقدرة الله سبب وجوده ، (وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ) [لقمان : الآية ١٤] أي صارت بقدرته أيضا سبب بقائه ، فإذا كان ماله صورة الوجود والبقاء ، وجب عليه ماله شبه العبادة من الخدمة ، فإن الخدمة لها صورة العبادة فإن قال قائل (٨) : وصى الله بالوالدين وذكر السبب في حق الأم بالذكر الصريح وفي الأب موجود ما وجد في الأم. قلنا : إن الأب حمله في صلبه كذلك سنين ، ورباه بكسبه سنين ، فهو أبلغ. وفي تربيته وفطامه مباحث ستأتي بعد. وقوله : (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ) [لقمان : الآية ١٤] لما كان الله تعالى ، بفضله جعل من الوالدين صورة ما من الله تعالى فإن الوجود في الحقيقة
__________________
(٨) قوله : فإن قال ... إلخ. كذا بالأصل ، وهو يحتاج إلى التأمل. اه.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
