بواسطة الأطراف التي كأنها تغادره مندفعا في الهواء ، وقد شبهوا هذه النتيجة بالزنبلك ، وأما الجري : فهو مشي سريع ، أو توالي وثبات منحرفة قريبة من بعضها مصحوبة بحركة مدركة رحوية في الحوض أي الصلب المسمى بالقطن وبمر حجة في الذراعين بها يسهل تحويل مركز التثاقل من أحد الطرفين إلى الآخر حفظا لموازنة الجسم ، وأما السباحة والتشبث بنحو شجرة فهما حالتان فيهما يكون الجسم كله متحركا حتى العضلات أيضا ، وينبغي لثبوت انتصاب الجسم وبقية أحواله ، ولفظ حركاته الانتقالية على العموم ، وسلامته من الروغان إسعاف البصر له ؛ لأنه هو الذي يرشده إلى الأوضاع اللائقة والحركات المختلفة على حسب الاستقامة الاعتيادية للأجسام المحيطة به.
«المقالة التاسعة والعشرون»
في قوله تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)) [الحجّ : الآية ٤٦]
اعلم أن قوله : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) [يوسف : الآية ١٠٩]. هل يدل على أمر بالسفر ، فالجواب يحتمل أنهم ما سافروا فحثهم على السفر ، ليروا ما خلق الله تعالى ، ويروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم ، ويشاهدوا آثارهم فيعبروا ، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ، ولكن لم يعتبروا ، فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا ، ما معنى الضمير في قوله فإنها لا تعمي الأبصار؟ والجواب هذا الضمير ضمير القصة والشأن يجيء مؤنثا ومذكرا وفي قراءة ابن مسعود (فإنه) ويجوز أن يكون ضميرا مبهما يفسره الأبصار ، وما فائدة ذكر الصدور مع أن كل أحد يعلم أن القلب لا يكون إلا في الصدر؟ والجواب أن المتعارف أن العمى مكانه الحدقة فلما أريد إثباته للقلب على خلاف المتعارف احتج إلى زيادة بيان كما تقول : ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك فقولك : الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت ؛ لأن محل المضاء هو لا غير ، وكأنك قلت ما نفيت المضاء عن السيف ، وأثبته للسانك سهوا ، ولكني تعمدته عن اليقين ، وعندي فيه وجه آخر وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر أي الأحوال المتردد ، بين الإحساس والإرادة لقوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) [ق : الآية ٣٧]. وعند قوم أن محل التفكر هي الأفئدة أي الدماغ ، فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر ، فإن قلت هل تدل الآية على أن العقل هو العلم ، وعلى أن محل العلم هو القلب ، فالجواب نعم ؛ لأن المقصود من قوله : (قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها) [الحجّ : الآية ٤٦]. هو العلم وقوله : (يَعْقِلُونَ بِها) [الحجّ : الآية ٤٦].
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
