والمخ ليس وحده الذي يطبع في العضلات أحكاما بل هناك أيضا مراكز خصوصية لهذه الحركات تفعل هذا الانطباع بالأعصاب الناشئة منها وهي النخاع المستطيل وخصوصا النخاع الفقاري ففي مدة انقباض العضلات تنكمش أليافها المكونة لها بحسب طولها فتصير أصلب مما كانت قبل ، ويظهر في أسطحتها غضون مستعرضة ، ويندفع مقدار عظيم من الدم المنحصر فيها بواسطة الانضغاط الحاصل للأوعية الصغيرة المتوزعة فيها ، ثم إن المؤلفين اجتهدوا في تفسير هذا الانقباض العضلي : فمنهم من وضحه على زعمه بأنه يحصل بواسطة فعل جذب تفعله الخيوط العصبية المتوزعة في الألياف العضلية ، وبعض المؤلفين قال : إن انقباض العضلات ناشئ عن قوة قابلية التهيج الدائمة الحصول المحدثة للإرادة ، وجعل هذه العبارات واصفة لهذا الأمر أولى من جعلهما مفسرة له ، وأما الأعضاء القاصرة للحركة الانتقالية فهي العظام وما يتعلق بها ، فكل عظم متحرك يمكن أن يعتبر كرافعة نقطة ارتكازها المفصل ، وقوتها في نقطة اندغام العضلات ، ومقاومتها في نفس ثقله وفي الأشياء المضطر لرفعها ، وهذا الجهاز العظمي يشتمل على أنواع الرافعة الثلاثة المشروحة في علم رفع في الأثقال ، فعلى هذا إذا تحركت الرأس على الفقرة الأولى العنقية كانت بمنزلة رافعة من النوع الأول ؛ لأن القوة كائنة في أحد الطرفين أي في مندغم العضلات الخلفية العنقية في الوجه الخلقي لمؤخر المقاومة التي هي ثقل الرأس كائنة في الطرف الثاني أي الذقن ، ونقطة الارتكاز في مفصل المؤخر مع الحاملة أي الفقرة الأولى ، وإذا تحرك القدم في الانتصاب على طرفه كان بمنزلة الرافعة من النوع الثاني ؛ لأن القوة في أحد الطرفين للقدم أعني العقب الذي يندغم فيه الوتر الكبير أي العرقوب ، ونقطة الارتكاز في الطرف الآخر للقدم أعني أطراف الأصابع المرتكزة على الأرض ، والمقاومة في المفصل القصبي الكعبي الحامل لثقل جميع الجسم ، وإذا تحرك العضد على المنكب كان بمنزلة رافعة من النوع الثالث ؛ لأن نقطة الارتكاز في أحد الطرفين أي رأس العضد والمقاومة التي هي ثقل الذراع في الطرف الثاني ، والقوة في الوسط حيث تندغم العضلية الذالية ، وبقية العضلات الرافعة للعضد ، وهذا المجموع العظمي هو دعامة الجسم ، ونقطة الارتكاز صلبة لجميع أجزائه ، وهو المقوم لحجم الجسم وأقطاره ، وشكله واعتداله ، ومتى أفقد تعالى هذا المجموع الملح الكلسي الموجب لصلابته استرخي فتتشوّه الأطراف ، ثم يصير كل من القايم والمشي ، وجميع الحركات المختلفة في آخر الأمر محالا ، والعمود الفقاري هو الجزء الضروري الأساسي للهيكل العظمي ، وحيث كان اللازم في حصول الغاية المعد لها أن تجتمع فيه الصلابة الكلية حركات عظيمة جدا خلقه الله تعالى مشتملا على خاصيتين عظيمتين إحداهما : كثرة القطع العظمية المركبة له ، والأخرى كثرة الأنسجة الرباطية المواثقة بعض هذه القطع ببعض الرابطة لها ، ومركز الحركات التي بها ينبسط
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
