«المقالة الثامنة والعشرون»
في قوله : (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها) [الأعراف : الآية ١٩٥].
اعلم أنه يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة الأصنام وتقريره أنه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء وهي الأرجل والأيدي والأعين والآذان ولا شك أن هذه الأعضاء إذا حصل في كل واحد منها ما يليق بها من القوة المحركة والمدركة يكون ورود تلك القوة من الأفئدة وما انطوت عليه من الإحساسات فالرجل القادر على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة هذه الحركة والحياة والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة الباصرة والسامعة وعن قوة الحياة وإذا ثبت هذا ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى فضل الأصنام ألبتة وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس إلا دون الذي لا يحس منه فائدة ألبتة لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة هذا هو الوجه في تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية أيضا فالرجل العاقل الذي جعل تعالى له تلك الأفئدة وما تفرع منها من القوة الباصرة والسامعة والحركات المختلفة كيف يليق به وهو الأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بالمعاصي ويترك عبادة الله تعالى؟ ... والسامعة والأطراف العليا والسفلى لكان ثقل جسم الإنسان يؤديه إلى أن يكون دائما ملقى فخلق له تعالى العظام وما يتعلق بها والعضلات وما يتعلق بها وبث فيهما الأعصاب المتصلة بالأفئدة وجعل الحكيم القادر بهذه الأشياء الحركة الانتقالية والانتصاب والمشي والوثب.
(في بيان الحركة الانتقالية)
(اعلم) أن أعضاء الحركة يمكن أن تنقسم إلى متعدية ويقال لها فاعلة وهي الأفئدة والأعصاب والعضلات وإلى قاصرة ويقال لها منفعلة وهي العظام وما يتعلق بها ولا تتم حركة إرادية بدون أن يتأثر المخ الذي هو عضو الإرادة فإذا فقدت الاستطراقات الكائنة بين هذا العضو والعضلات بسبب وضع رباط على العصب أو بسبب آخر فلا يمكن الفؤاد وإن كان مكونا للإرادات ولا العضلات وإن كانت قادرة على تتميم وظائفها أن يحصلا الحركات الإرادية ومثل هذا أيضا يحصل إذا كان الفؤاد أي المخ مريضا أو وقت النوم يفقد وظائفه فيظهر إذا للأجزاء المختلفة من هذا العضو تأثير مخصوص في بعض أجزاء من جهاز الحركة الانتقالية
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
