وكيفية وجودها يعجز عن إدراكها الدقيق ، وهذا الجهاز مؤلف من المخ والمخيخ والنخاع المستطيل والنخاع الشوكي.
«المسألة الثالثة» :
التصورات والتصديقات إما أن تكون كسبية وإما أن تكون بديهية ، والكسبيات إنما يمكن تحصيلها بواسطة تركيبات البديهيات ، فلا بد من سبق هذه العلوم البديهية وحينئذ لسائل أن يسأل فيقول : هذه العلوم البديهية إما أن يقال : إنها كانت حاصلة منذ خلقنا. أو ما كانت حاصلة. والأول باطل ؛ لأنا بالضرورة نعلم أنا حين كنا أجنة في رحم الأم ما كنا نعرف أن النفي والإثبات لا يجتمعان ، وما كنا نعرف أن الكل أعظم من الجزء. وما القسم الثاني فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد ما كانت حاصلة ، فحينئذ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب ، وإلا كان كسبيا فهو مسبوق بعلوم أخرى إلى غير نهاية. وكل ذلك محال ، وهذا سؤال مشكل وجوابه : أن نقول : الحق أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا ، ثم إنها حدثت وحصلت. أما قوله : فيلزم أن تكون كسبية. قلنا : هذه المقدمة ممنوعة. بل نقول : إنها إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها بواسطة إعانة الحواس التي هي السمع والبصر ، واللذان تقدم الكلام عليهما وتقريره أن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن جميع العلوم ، إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر ، فإذا أبصر الطفل شيئا مرة بعد أخرى ، ارتسم في سمعه وخياله ماهية ذلك المسموع ، وكذا القول في سائر الحواس ، فيصير حصول الحواس سببا لحضور ماهيات المحسوسات في النفس والعقل ، ثم إن تلك الماهيات على قسمين :
(أحدهما) : ما يكون نفس حضوره موجبا تاما في جزم الذهن بإسناده بعضها إلى بعض بالنفي والإثبات ، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الواحد ما هو ، وأن نصف الاثنين ما هو ، كان حضور هذين التصورين في الذهن علة تامة ، في جزم الذهن بأن الواحد محكوم عليه بأنه نصف الاثنين ، وهذا القسم هو عين العلوم البديهة.
والقسم الثاني : ما لا يكون كذلك ، وهو العلوم النظرية ، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الجسم ما هو ، وأن المحدث ما هو ، فإن مجرد هذين التصورين في الذهن لا يكفي في جزم الذهن بأن الجسم محدث ، بل لا بد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة ، والحاصل أن العلوم الكسبية إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهية ، وحدوث هذه العلوم البديهية إنما كان عند حدوث تصور موضوعاتها وتصور محمولاتها ، وحدوث هذه التصورات إنما كان بسبب
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
