«المقالة التاسعة عشرة»
في قوله تعالى : (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ) [الإنسان : الآيتان ١ ، ٢].
اعلم أنهم قد اختلفوا في معنى كون النطفة مختلطة ، فالأكثرون على أنه اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة كقوله تعالى : (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ) (٧) [الطّارق : الآية ٧]. وقد تقدم الكلام عليها وأما قوله : (نَبْتَلِيهِ) [الإنسان : الآية ٢]. فيه مسائل :
(المسألة الأولى) :
نبتليه ؛ أي لنبتليه ، وهو كقول الرجل : جئتك أقضي حقك. أي لأقضي حقك. وأتيتك أمتحنك بكذا. أي لأمتحنك. فكذا قوله : (نَبْتَلِيهِ) [الإنسان : الآية ٢]. أي لنبتليه ، ونظيره قوله تعالى : (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) (٦) [المدّثّر : الآية ٦]. أي لتستكثر.
(المسألة الثانية)
نبتليه في موضع الحال ، أي مبتلين له ، يعني مريدين ابتلاءه ، وفي الآية قولان : (أحدهما) : أن فيه تقديما وتأخيرا ، والمعنى فجعلناه سميعا بصيرا لنبتله. (والقول الثاني) : إنه لا حاجة إلى هذا التغيير ، والمعنى إنا خلقناه من هذه الأمشاج ، لا للعبث بل للابتلاء والامتحان ، ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه والابتلاء هو السمع والبصر ، فقال تعالى : (فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً) [الإنسان : الآية ٢]. والسمع والبصر كنايتان عن الفهم والتمييز كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم وعليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسّلام مقالته لأبيه : (يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) [مريم : الآية ٤٢]. بل المراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان ، والله تعالى خصهما بالذكر ؛ لأنهما أعظم الحواس وأشرفها.
(المسألة الثالثة):
قوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ) [الإنسان : الآية ٣]. أخبر تعالى أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الخمس الظاهرة والحواس الباطنة ، بين له سبيل الهدى والضلال ؛ لأن الآية الشريفة دالة على أن إعطاءه الحواس كالمقدم على إعطاء العقل ، والأمر كذلك ؛ لأن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء ، إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل تلك
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
