هو ثمرة الزواج ، وما بقاء الزوجية بعد أن خلينا سبيلها ، ورفعنا يد الزوج عنها ، ولم نلزمها تمكينه من استمتاع بها؟
وقد تناظر في ذلك مالك وغيره فقال مالك : أدركت الناس يقولون : إذا لم ينفق الرجل على امرأته يفرّق بينهما.
فقيل له : قد كانت الصحابة رضي الله عنهم يعسرون ويحتاجون.
فقال مالك : ليس الناس اليوم كذلك ، إنما تزوجته رجاء اه.
ومعنى كلامه إنّ نساء الصحابة رضي الله عنهم كنّ يردن الدار الآخرة وما عند الله ، ولم يكن مرادهنّ الدنيا ، فلم يكن يبالين بعسر أزواجهن ، لأن أزواجهنّ كانوا كذلك ، وأما النساء اليوم ، فإنما يتزوجن رجاء دنيا الأزواج ونفقتهم وكسوتهم ، فالمرأة إنما تدخل اليوم على رجاء الدنيا ، فصار هذا المعروف كالمشروط في العقد ، وكان عرف الصحابة رضي الله عنهم كذلك كالمشروط في العقد ، والشرط العرفي في أصل مذهبه كاللفظي.
وفي المسألة مذهبان آخران :
أحدهما : أنه إذا أعسر بنفقتها حبس حتى يجد ما ينفقه ، وهذا مذهب حكاه الناس عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة ، وهو مذهب غير معقول ، لأنّه إذا حبس فمن أين يجد النفقة؟ ولعلّ العنبري من القائلين بالتفريق للإعسار ، وأنه يريد أنّ الحاكم إذا أمره بالطلاق فامتنع حبسه حتى يطلّق ، أو يظهر له مال ، وإلا فالكلام على ظاهره بيّن البطلان.
والثاني : أنه لا فسخ ، وعليها نفقة نفسها إن كانت غنية ، وإن عجز الزوج عن نفقة نفسه أيضا كلّفت المرأة الإنفاق عليه ، وهو مذهب ابن حزم ، قال في «المحلى» : فإن عجز الزوج عن نفقة نفسه ؛ وامرأته غنية ؛ كلّفت النفقة عليه ، لا ترجع بشيء من ذلك إن أيسر. وهذا المذهب مع بطلانه ؛ ومخالفته قواعد الشرع وعمل الناس ؛ أقرب إلى العقل من مذهب العنبري والله الموفق.
ودلّت الآية أيضا على أنّه ينبغي للإنسان مراعاة حال نفسه في النفقة والصدقة ، وفي الحديث : «إنّ المؤمن أخذ عن الله أدبا حسنا ، إذا هو وسع عليه وسع ، وإذا هو قتر عليه قتر» (١).
__________________
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٦ / ٢٣٩).
