أما قوله سبحانه : (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ) إلخ فالمقصود منه استثناء البعولة ومن عطف عليهم من عموم من نهيت المرأة عن إبداء الزينة الباطنة له.
أما البعولة وهم الأزواج ، ويلحق بهم من له حق التسرّي من السادة ، فالأمر فيهم ظاهر. وأما سائر من استثنى الله فللحاجة إلى مخالطتهم مع أمن الفتنة.
استثنت الآية نوعين لأجل المصاهرة : آباء الأزواج وأبناء الأزواج ، وليس وراء هذين النوعين من المحارم بالمصاهرة أحد.
واستثنت من المحارم بالنسب خمسة أنواع : هم آباء النساء ، وأبناؤهن وإخوتهن ، وأبناء إخوتهن وأبناء أخواتهن. ولم تذكر من المحارم الأعمام والأخوال ، كما أنها لم تذكر المحارم بالرضاع. والفقهاء مجمعون على أنّ حكم هؤلاء كحكم المذكورين في الآية. أما عدم ذكر الأعمام والأخوال فلعلّ السر فيه أنّ العمومة والخئولة بمنزلة الأبوة ، فكان ذكر الآباء مغنيا عن ذكر الأعمام والأخوال ، وأما المحارم من الرضاع فعدم ذكرهم للاكتفاء ببيان السنة : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (١).
والأنواع الباقية : هي النساء ، والمماليك ، والتابعون غير أولي الأربعة ، والأطفال.
فأما النساء والمماليك فقد قال الله تعالى فيهم : (أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ) وللعلماء خلاف في المراد بكل نوع من هذين النوعين ، فذهبت طائفة إلى أنّ المراد بالنساء ما يعمّ الحرائر والإماء ، وعليه يكون المراد بما ملكت أيمانهنّ خصوص العبيد ، لأنّ الإماء قد دخلن في النساء. وحينئذ يحل للمرأة أن تبدي زينتها الباطنة للنساء الحرائر والإماء ، ولمن تملكه من العبيد ، لأنّهم في ذلك ملحقون بذوي المحارم. وبهذا قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة وكثير من السلف وهو مذهب مالك ، وأحد قولي الشافعي. ويؤيده ما رواه أحمد وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه أنّ النبي صلىاللهعليهوسلم أتى فاطمة رضي الله عنها بعبد قد وهبه لها ، وعلى فاطمة ثوب إذا قنّعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى النبي صلىاللهعليهوسلم ما تلقى قال : «إنّه ليس عليه بأس ، إنما هو أبوك وغلامك» (٢).
وذهبت طائفة إلى أنّ المراد بالنساء خصوص الحرائر ، لأنّ المراد بما ملكت أيمانهن خصوص الإماء ، وذلك لأنّ العبد فحل غير محرم ولا زوج ، والشهوة فيه متحققة ، والحاجة إلى الخلطة به قاصرة ، فكان هو والحر الأجنبي في التحريم سواء ،
__________________
(١) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ١٠٦٨) ، ١٧ ـ كتاب الرضاع ، ١ ـ باب ما يحرم من الرضاعة حديث رقم (١٤٤٤).
(٢) رواه أبو داود في السنن (٤ / ٣٠) ، كتاب اللباس ، باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته ، حديث رقم (٤١٠٦).
