وقد يرشّح هذا المعنى أيضا تغيير النظم في هذه الآية ، وصرف الخطاب فيها عن وجهه بتوجيهه إلى النبي صلىاللهعليهوسلم ، وتكليفه أن يأمر الناس بغض الأبصار ، فإنّ في هذه الطريقة إشعارا بأنّ هذا الفعل قبيح ، وأنّ صاحبه يستحق أن يعرض عنه ، ويصرف الخطاب إلى غيره.
ولا يلزم من مراعاة هذا المعنى في جانب الأمر بغضّ البصر أن يراعى أيضا في الأمر بحفظ الفروج ، فإنّ أمر الفروج عظيم ينبغي أن يشدد فيه أكثر مما يشدد في غيره ، فلا يستقيم مع ذلك أن يؤتى في جانب الأمر بحفظ الفروج بعبارة توهم صورتها أنّ بعض الفروج قد يتساهل فيه ، [و] لا يشدد في الأمر بحفظه.
وقال صاحب «الكشاف» (١) : إنما دخلت (مِنْ) في غضّ البصر دون حفظ الفرج للدلالة على أنّ أمر النظر أوسع ، ألا ترى أنّ المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وسوقهن وأقدامهن ، وكذلك الجواري المستعرضات للبيع ، وأنّ الأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها. وأمّا أمر الفرج فمضيّق ، وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما استثني منه ، وحظر الجماع إلا ما استثني منه.
وقد اختلف في المراد بحفظ الفروج ، فقيل : إنّ معناه تجنب الزنى واللواطة ، وقيل : إن المراد سترها ، فلا يحل للمؤمن أن يكشف عن سوءته ، ولا أن يلبس لباسا رقيقا يشفّ عما تحته ، ويبين عورته ، ولا مانع من إرادة المعنيين جميعا.
ثم لا يخفى وجه الجمع بين أمرين :
أحدهما : متعلق بحفظ الأبصار.
والثاني : متعلق بحفظ الفروج فإنّ النظر إلى المحرم من أقوى الدواعي إلى الوقوع في الفجور ، فكان حراما ، لأن من شأنه أن يؤدي إلى الحرام ، فإن وقع القصر على محرم من غير قصد وجب أن يصرف عنه ، وليس على المرء إثم في النظرة الأولى غير المقصودة ، فقد روى مسلم (٢) عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : سألت النبي صلىاللهعليهوسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري.
وروى أبو داود عن بريدة قال قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم لعلي : «يا علي لا تتبع النظرة النظرة ، فإنّ لك الأولى وليست لك الآخرة» (٣).
(ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ) أي ما ذكر من غضّ البصر وحفظ الفرج أطهر لقلوبهم ، وأنقى
__________________
(١) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري (٣ / ٢٢٩).
(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣ / ٦٩٩) ، ٣ ـ كتاب الآداب ، ١٠ ـ باب نظر الفجأة حديث رقم (٢١٥٩).
(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥ / ٩٤) ، كتاب الآداب ، باب نظر الفجأة حديث رقم (٢٧٧٨) ، وأبو داود في السنن (٢ / ٢١٤) ، كتاب النكاح ، باب ما يؤمر به حديث رقم (٢١٤٩).
