الرجل قبل دخوله بيته ، أو يأتي بما يدلّ على قدومه كالتسبيح والتنحنح ، فإنّه قد تكون المرأة في شأن لا تحب أن يطلع عليه زوجها أو سيدها.
وظاهر الآية عموم النهي عن دخول البيوت بغير إذن في جميع الأزمان والأحوال ، ولكن يجب أن يستثنى من ذلك ما تقضي به الضرورة ، كهجوم لصوص على الدار ، أو اشتعال النار فيها ، فإنّ لمن يعلم ذلك أن يدخلها بغير إذن أصحابها.
وبعد فإتماما للفائدة نسوق لك مسألة لها صلة كبيرة بالموضوع ، وقد اختلف في حكمها الفقهاء. وذلك أنّه إذا رأى أهل الدار أحدا يطلع عليهم من ثقب في الباب ، فطعن أحدهم عينه فقلعها ، فهل عليه تبعة هذا الفعل من قصاص وغيره؟
قال الإمامان الشافعي وأحمد ورجال من أهل الحديث : لا شيء عليه ، وحجتهم في ذلك ما أخرجه الشيخان (١) عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فقد هدرت عينه».
وما رواه سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال لمن اطلع في إحدى حجراته ، وكانت في يده مدرى يحكّ بها رأسه : «لو كنت أعلم أنّك تنظر لطعنت بها في عينك» (٢).
وفي رواية أنس بن مالك رضي الله عنه : أنّ رجلا اطلع من بعض حجر رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فقام إليه رسول الله صلىاللهعليهوسلم بمشقص أو بمشاقص ، قال : فكأني أنظر إليه يختله ليطعنه (٣).
وقال الإمامان أبو حنيفة ومالك : إنّ من قلع عين غيره على هذا النحو كان جانيا وعليه القصاص أو الأرش ، لعموم قوله تعالى : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) [المائدة : ٤٥].
وأيضا فإنّ الاتفاق على أنّه إذ دخل الرجل الدار بغير إذن أهلها ، فاعتدي عليه من أجل ذلك بقلع عينه فإنّ ذلك يعتبر جناية تستوجب الأرش أو القصاص ، فإذا كان دخول الدار واقتحامها على أهلها مع النظر إلى ما فيها غير مبيح لقلع عين ذلك
__________________
(١) رواه مسلم في الصحيح (٣ / ١٦٩٩) ، ٣٨ ـ كتاب الآداب ، ٩ ـ باب تحريم النظر ، حديث رقم (٤٣ / ٢١٥٨) ، والبخاري في الصحيح (٨ / ٥٧) ، ٨٨ ـ كتاب الديات ، ٢٣ ـ باب من اطلع ، حديث رقم (٦٩٠٢).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣ / ١٦٩٩) ، ٣٨ ـ كتاب الآداب ، ٩ ـ باب تحريم النظر حديث رقم (٤٢ / ٢١٥٧) ، رواه البخاري في الصحيح (٧ / ١٩٨) ، ٧٩ ـ كتاب الاستئذان ، ١١ ـ باب الاستئذان حديث رقم (٦٢٤٢).
