عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف» (١) صريح في شهادة القاذف لا ترد إلا بعد حده.
والخطاب في قوله تعالى : (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً) لأولياء الأمر من الحكام ، لأنّه على نسق الخطاب في قوله تعالى : (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً) والمراد بالشهادة الإخبار بحق للغير على الغير أمام الحاكم ، ولفظ (شهادة) نكرة واقعة في سياق النهي ، فيكون عاما ، وظاهر العموم فيه يقتضي أنّ شهادة القاذف مردودة سواء أكانت واقعة منه قبل القذف أم بعد القذف ، وكذلك شهادة من قذف وهو كافر ، ثم أسلم. ومن قذف وهو عبد ، ثم أعتق : كل هؤلاء لا تقبل شهادتهم بمقتضى العموم في اللفظ. إلا أنّ الحنفية استثنوا الكافر إذا حدّ في القذف ثم أسلم ، فإنّ شهادته بعد إسلامه تكون مقبولة. نظروا في ذلك إلى أن الكافر الذي أسلم قد استفاد بالإسلام عدالة لم تكن موجودة من قبل ، فلم تدخل تحت الرد ، والذي دخل تحت الرد إنما هو شهادته التي كان أهلا لها عند القذف ، وهي شهادته على أهل دينه.
واختلف العلماء في ردّ شهادة القاذف : أهو من تمام الحد أم ذلك عقوبة زائدة على الحد؟
فذهب الحنفية (٢) إلى أن ردّ شهادته من تمام حده ، ويشهد لهم ظاهر الآية ، فقد رتّبت على القذف بشرطه عقوبتين ، وأوجبت على الإمام استيفاءهما من القاذف ، فكأنّ الظاهر أن مجموعهما حد القذف ، ألا ترى أن الشافعية قد فهموا من قوله صلىاللهعليهوسلم : «البكر بالبكر جلد مئة وتغريب سنة» أنّ مجموع الجلد والتغريب حد الزاني البكر. وقال مالك والشافعي : الحد هو جلد ثمانين فقط ، وأما رد الشهادة فهو عقوبة زائدة على الحد ، وحجتهم في ذلك أنّ المعروف في الحدود أنها عقوبات بدنية ، ورد الشهادة عقوبة معنوية ، والحدود التي شرعت لحفظ الأرواح والدين والعرض والعقل والمال كلها عقوبات بدنية محسوسة ، وحد القذف شرع لصيانة العرض ، فكان إلحاقه بالأعم الأغلب أولى.
وأيضا فقوله صلىاللهعليهوسلم لهلال بن أمية : «البينة أو حدّ في ظهرك» يدلّ على أنّ الجلد هو تمام الحد ، إذ لو كان رد الشهادة من تمام الحد لما صحّ بأن يقول : «أو حد في ظهرك» لأن رد الشهادة لا يكون في ظهره ، بل ولا في سائر جسمه ، واتفاق الصحابة على أنّ حد السكران ثمانون جلدة ، وعلى أنّه مثل حد المفتري يدل على أن حدّ المفتري هو الجلد فقط ، إذ لو كان ردّ الشهادة من الحد في القذف لكان من الحد في السكر ، ولوجب رد شهادة من سكر ، ولم يقل بذلك أحد.
__________________
(١) انظر أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٣ / ٢٨٠).
(٢) انظر الهداية شرح بداية المبتدي (١ / ٤٠٥).
