النزول ، فتكون الآية واردة في قوم مخصوصين بأعيانهم ، وفي تعيينهم خلاف يرجع إلى الخلاف في سبب النزول.
فعن ابن عباس وابن عمر أنّ جماعة من المسلمين كانوا في جاهليتهم يزنون ببغايا مشهورات متعالنات ، فلما جاء الإسلام وأسلموا لم يمكنهم الزنى ، فأرادوا لفقرهم زواج أولئك النسوة ، إذ كان من عاداتهن الإنفاق على من تزوّجهنّ فنزلت الآية فكفوا عن زواجهن (١).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد رضي الله عنه ، وكان رجلا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة ، فكانت امرأة بغيّ بمكة ، يقال لها : عناق ، وكانت صديقة له ، وكان وعد رجلا من أسرى مكة أن يحمله ، قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة ، فجاءت عناق ، فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط ، فلما انتهت إليّ عرفتني ، فقالت : مرثد ، قلت : مرثد ، فقالت : مرحبا وأهلا ، هلمّ فبت عندنا الليلة ، فقلت : يا عناق قد حرم الله تعالى الزنى. قالت : يا أهل الخيام ، هذا الرجل الذي يحمل أسراكم. قال : فتبعني ثمانية ، فانتهيت إلى غار فجاؤوا حتى قاموا على رأسي ، وبالوا ، فظلّ بولهم على رأسي ، وأعماهم الله تعالى عني. قال : ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي ، فحملته حتى قدمت المدينة ، فأتيت النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، فقلت : يا رسول الله! أنكح عناقا؟ فأمسك ولم يرد عليّ شيئا حتى نزل : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)) فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «يا مرثد لا تنكحها» أخرجه أصحاب السنن (٢).
فالمراد بالزاني أحد أولئك القوم ، أطلق عليه اسم الزنى الذي كان يفعله في الجاهلية للتوبيخ ، فهو مجاز باعتبار ما كان ، والمراد بالزانية إحدى هؤلاء البغايا ، وهذا التأويل معترض من وجوه :
أولا : جعل سبب النزول حكما على العام ، والمعتمد أنّ سبب النزول لا يخصّص.
ثانيا : أنه يبعد أن يعبّر في أحكام القرآن الكريم بلفظ عام ثم يراد منه قوم مخصوصون ينتهي الحكم بوفاتهم.
__________________
(١) انظر ما رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٥ / ١٩).
(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥ / ٣٠٧) ، كتاب التفسير ، حديث رقم (٣١٧٧) ، وأبو داود في السنن (٢ / ١٨٠) ، كتاب النكاح ، باب قوله تعالى : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً) حديث رقم (١ ـ ٢٠) ، والنسائي في السنن (٥ ـ ٦ / ٣٧٤) ، كتاب النكاح ، باب تزويج الزانية حديث رقم (٣٢٢٨).
