فلا أقل من أن تدخل فيه أيضا الصدقة المندوبة ، وتكون الفائدة بيان أنّ مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء الأصناف الثمانية.
ومن يرى أن المراد بالصدقات هنا هو الزكاة الواجبة يستدل على ذلك بأمور :
الأول : أن (ال) في الصدقات للعهد الذكري ، والمعهود هو الصدقات الواجبة التي أشار الله إليها بقوله قبل هذه الآية : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ) [التوبة : ٥٨] والصدقات التي كان قوم من المنافقين يعيبون النبي صلىاللهعليهوسلم فيها وفي تقسيمها هي الزكاة الواجبة ، فقد روي أنّ بعض المنافقين كان يعيب الرسول صلىاللهعليهوسلم في توزيع الصدقة ، ويزعمون أنه يؤثر بها من شاء من أقاربه وأهل مودته ، وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل فيها ، كلّ ذلك كان في الصدقات الواجبة ، فلما ورد قوله تعالى عقب ذلك : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ) دلّ على أنّ المراد الصدقات التي سبق الكلام فيها : وهي الصدقات الواجبة.
الثاني : أنّ الصدقات المندوبة يجوز صرفها في غير الأصناف الثمانية باتفاق ، مثل بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وتكفين الموتى وتجهيزهم ونحو ذلك ، فلو كانت الصدقة المندوبة داخلة في الآية لما جاز صرفها في مثل هذه الوجوه.
الثالث : أن الله تعالى جعل للعاملين عليها سهما فيها ، ولم يعهد في الشرع نصب عامل لجباية الصدقات المندوبة ، فلو كانت الصدقة المندوبة داخلة في الآية لوجب على الإمام أن ينصب العمال لجبايتها حتى يأخذوا سهمهم منها ، ولم يقل بذلك أحد.
الرابع : أثبت الله هذه الصدقات بلام التمليك للأصنام الثمانية ، والصدقات المملوكة لهم ليست إلا الزكاة الواجبة.
وفي الآية جمعان : بالواو وجمع بالصيغة ، فالشافعي يبقيها على ظاهرها في الجمعين معا ، فيجب عند صرف جميع الصدقات الواجبة سواء الفطرة وزكاة الأموال ، إلى ثمانية الأصناف ، لأن الآية أضافت جميع الصدقات إليهم بلام التمليك ، وشرّكت بينهم بواو التشريك ، فدلك على أن الصدقات كلها مملوكة لهم ، مشتركة بينهم ، فإن كان مفرّق الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل ، ووجب صرفها إلى الأصناف السبعة بالسوية ، لا يرجح صنف على صنف إن وجدوا ، وإلا فللموجود منهم ، ولا يجوز أن يصرف لأقل من ثلاثة من كل صنف ، لأن أقل الجمع ثلاثة. وإن كان مفرقها الإمام أو نائبه وجب استيعاب الأصناف كلها ، بهذا قال عكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري وداود الظاهري.
وقال الأئمة أبو حنيفة (١) ومالك وأحمد رحمهمالله : للمالك صرفها إلى صنف
__________________
(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١ ـ ٢ / ١٢١).
