والنجس ـ بفتح الجيم ـ مصدر.
والعيلة : الفقر والفاقة.
نهى الله المؤمنين عن أن يقرب المشركون المسجد الحرام ، أي عن تمكينهم من قربان المسجد الحرام ، وعلّل هذا بأنهم نجس ، إما لخبث باطنهم ، أو لأن معهم الشرك المنزل منزلة النجس الذي يجب اجتنابه ، أو لأنهم لا يتطهرون ، ولا يغتسلون ، ولا يجتنبون النجاسات.
وقوله : (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا) تفريع على نجاستهم ، واختلف العلماء في المراد بالمسجد الحرام فقال عطاء : الحرم كله قبلة ومسجد ، فليس المراد خصوص المسجد الحرام ، وإنما المراد منعهم من دخول المسجد الحرام ومكة والحرام. وقيل : المراد خصوص المسجد الحرام وهو مذهب الشافعية أخذا بظاهر اللفظ ، وقيل المراد المسجد الحرام بالنص ، وبقية المساجد تقاس عليه ، لأن العلّة ، وهي النجاسة ، موجودة في المشركين ، والحرمة موجودة في كل مسجد ـ وهو مذهب المالكية ـ فلا يجوز تمكينهم من دخول المسجد الحرام والمساجد كلها.
وقيل : ليس المراد النهي عن دخول المسجد الحرام ، وإنما المراد النهي عن أن يحج المشركون ويعتمروا كما كانوا يعملون في الجاهلية ـ وهو مذهب الحنفية ـ ويؤيد ذلك أمور :
١ ـ قوله : (بَعْدَ عامِهِمْ هذا) فإنّ تقييد النهي بذلك يدل على اختصاص المنهي عنه بوقت من أوقات العام ، أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا ، وهو العام التاسع من الهجرة.
٢ ـ قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حين نادى بسورة براءة : ألا لا يحجّ بعد عامنا هذا مشرك.
٣ ـ قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ) فإنّ خشية العيلة تكون بسبب انقطاع تلك المواسم ، لمنع المشركين من الحج والعمرة ، لأن المؤمنين كانوا ينتفعون بالتجارات التي تروج في مواسم الحج.
٤ ـ إجماع المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أعمال الحج ، وإن لم تكن في المسجد.
وقوله : (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي إن خفتم فقرأ بسبب منعهم من الحج وانقطاع ما كانوا يجلبونه إليكم من الأرزاق والمكاسب ، فسوف يغنيكم الله.
وهذا الجزاء إخبار عن غيب في المستقبل وقد وقع الأمر مطابقا لهذا الخبر ، فقد أسلم الناس من أهل جدة ، وصنعاء ؛ وحنين ؛ وتبالة ؛ وجرش ؛ وكثر ترددهم على
