قال الله تعالى : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨))
(حافِظُوا) المحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة ، ومعنى المحافظة على الصلوات المواظبة عليها ، وعدم تضييعها. (وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) الوسطى من الوسط ، وهو العدل والخيار والفضل (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) أي خيارا وعدولا ، فالصلاة الوسطى أي الفضلى ، ويحتمل أنها وسط في العدد. لأنّها خمس صلوات ، تكتنفها اثنتان من كل جهة ، وقيل : إنها وسط من الوقت.
روى القاسم عن مالك أنّ الصبح هي الوسطى لأن الظهر والعصر في النهار ، والمغرب والعشاء في الليل ، والصبح فيما بين ذلك. وقد اختلف في الصلاة الوسطى : ما هي؟ على سبعة أقوال : فما من صلاة إلا قيل إنها الوسطى ، فتلك خمسة. وقيل : إنها الجمعة ، وقيل : إنها غير معروفة. وقد أبهمها الله ليحافظ على الصلوات كلّها طلبا للصلاة الوسطى ، وهذا هو الظاهر. وكل دليل قام على تعيينها لا يخلو من ضعف (١).
والصلاة الوسطى داخلة في الصلوات. وإنما خصّها بالذكر تنبيها على شرفها في جنسها ، كما قال تعالى : (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)).
(وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) قال ابن عباس : القنوت الطاعة ، وقال ابن عمر : هو القيام ، واستدل عليه بقوله صلىاللهعليهوسلم : «أفضل الصلاة طول القنوت» (٢) قال مجاهد : إنّه السكوت.
وفي «الصحيح» (٣) قال زيد بن أرقم : كنا نتكلّم في الصلاة حتى نزلت هذه الآية (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) فأمرنا بالسكوت. وقيل : هو الخشوع ، والصحيح ما قاله مجاهد ، بدليل ما رواه زيد ، ويبعد جدا أن يراد به القيام هنا لأنه لا يصحّ (وقوموا لله قائمين).
وإذا كان المراد بالقنوت السكوت هنا كانت الآية آمرة بالسكوت في الصلاة ، وقد ذكرت المالكية أنّ من تكلّم في الصلاة ، إما أن يكون ساهيا أو عامدا ، والعامد : إما أن يتكلّم لإصلاحها ، أو عبثا ، وقالوا : إنّ من تكلّم ساهيا لا تبطل صلاته ، لأنّ السهو لا يدخل تحت التكليف ، ومن تكلّم لإصلاحها لا تبطل صلاته خلافا للشافعية والحنابلة.
__________________
(١) لكن ورد في الصحيح كما رواه مسلم في صحيحه (١ / ٤٣٧) ، ٥ ـ كتاب المساجد ، ٣٦ ـ باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر حديث رقم (٢٠٦ / ٦٢٨).
(٢) رواه مسلم في الصحيح (١ / ٥٢٠) ، ٦ ـ كتاب صلاة المسافرين ، ٢٢ ـ باب أفضل الصلاة حديث رقم (١٦٤ / ٧٥٦).
(٣) رواه البخاري في الصحيح (٥ / ١٩١) ، ٦٥ ـ كتاب تفسير القرآن ، ٤٣ ـ باب قوله : (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) حديث رقم (٤٥٣٤).
