قال يحيى : والإحداد عندنا ألا تتطيب ، ولا تلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران ، ولا تكتحل ولا تتزيّن.
وأخرج ابن جرير (١) عن الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت ، قتل زوجي وأنا في داره ، فاستأذنت رسول الله في النّقلة فأذن لي ، ثم ناداني بعد أن توليت ، فرجعت إليه فقال : «يا فريعة حتّى يبلغ الكتاب أجله». فحجتهم أن الله ذكر التربص ، والرسول بيّن ما يتربّص عنه.
وقال آخرون : إنما عدّة المتوفى عنها زوجها أن تتربص بنفسها عن الأزواج خاصة ، فأما عن الطيب ؛ والزينة ؛ والنقلة من المنزل ، فلم تنه عن ذلك. واحتجوا بما روي عن أسماء بنت عميس قالت : لمّا أصيب جعفر قال لي رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «تسلّبي ثلاثا. ثم اصنعي ما شئت» (٢) وليس في هذا الحديث حجة لهم ، إذ يحتمل أن يكون أمرها بالتسلّب ثلاثا ، ثم لبس ما شاءت من الثياب التي يجوز للمعتدّة لبسها ، مما لم يكن زينة ولا تطيبا ، لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب.
والحكمة في هذه العدة استبراء الرّحم من ماء الزوج المتوفّى ، فمنع نكاح المعتدّة حتى تمضي مدة تتبيّن فيها : أحامل هي ، فيلحق ولدها بالزّوج المتوفى؟ أو حائل ، فإذا تزوّجت وولدت ، ألحق الولد بالزّوج الثاني؟
ومنعت الطّيب والينة لأنّها من دواعيه ؛ والذرائع إليه ؛ ومنعت الخروج من البيت الذي كانت تسكنه ، لأن هذه الرقابة أدعى إلى الصيانة ، ومنع العقد عليها ، والخطبة في العدة ، لأنّ ذلك ذريعة ، ورخّص في التعريض (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي : فإذا انقضت عدّتهنّ (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) أيها الأولياء (فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَ) من اختيار الأزواج ، وتقدير الصداق ، وقوله : (بِالْمَعْرُوفِ) معناه على ما أذن الله لهنّ فيه (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فيعلم من يعضل النساء فيجازيه.
قال الله تعالى : (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ
__________________
(١) في تفسيره جامع البيان (٢ / ٣١٩) ، ورواه أبو داود في السنن (٢ / ٢٧٣) ، كتاب الطلاق باب المتوفى عنها حديث رقم (٢٣٠٠) ، والنسائي في السنن (٥ ـ ٦ / ٥٠١) ، كتاب الطلاق ، باب مقام المتوفى عنها زوجها حديث رقم (٣٥٢٨) ، والترمذي في الجامع الصحيح (٣ / ٥٠٨) ، كتاب الطلاق باب أين تعتد حديث رقم (١٢٠٤) وابن ماجه في السنن (١ / ٦٥٤) ، كتاب الطلاق حديث رقم (٢٠٣١).
(٢) رواه الطبري في تفسيره جامع البيان في تفسير القرآن (٢ / ٣١٨).
