وقد اختلف في ذلك النكاح الذي اشترط لحل المطلقة ثلاثا ، فذهب سعيد بن المسيب إلى أنه العقد ، فتحل المطلقة ثلاثا للأوّل بمجرد العقد على الثاني.
وذهب سائر العلماء إلى أن المراد به الوطء ، واحتجوا بأن النكاح قد ورد في القرآن بالمعنيين ، واحتمل أن يكون المراد هنا العقد أو الوطء ، فجاءت السنة ، وبينت أن المراد به الوطء وذلك ما رواه ابن جرير (١) عن عائشة ، قالت : جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، قالت : كنت عند رفاعة ، فطلقني ، فبتّ طلاقي ، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير ، وإن ما معه مثل هدبة الثّوب. فقال : «لعلّك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا ، حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (٢) وقال بعضهم : إن الآية نفسها فيها دلالة على أن المراد به الوطء ، وبيانه أنّ أبا الفتح عثمان بن جني قال : سألت أبا علي الفارسي عن قولهم : نكح المرأة ، فقال : فرّقت العرب بالاستعمال ، فإذا قالوا : نكح فلان فلانة. أرادوا أنّه عقد عليها ، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته ، أرادوا به المجامعة. وهنا قد قال الله : (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) فالمراد منه المجامعة.
وقد اختلف النّاس في نكاح المحلّل ، وهو الذي يتزوّج المبتوتة بقصد أن يحلها للزوج الأول ، فذهب مالك ، وأحمد ، والثوري ، وأهل الظاهر ، وغيرهم : إلى أنّ ذلك النكاح باطل ، لا تحلّ به للأوّل ولا للثاني ، ولا تحلّ حتى ينكحها الثاني نكاح رغبة يقصد به ما يقصد من كل نكاح من الدوام والبقاء ، ودليلهم ما روي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «ألا أخبركم بالتّيس المستعار؟».
قالوا : بلى يا رسول الله قال : «هو المحلّل ، لعن الله المحلّل والمحلّل له» (٣).
قال الترمذي (٤) : والعمل على ذلك عند أهل العلم ، منهم : عمر ، وابنه ، وعثمان رضي الله عنهم ، وهو قول الفقهاء من التابعين.
وروى أبو إسحاق الجوزجاني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سئل رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن المحلّل ، فقال : «لا : إلا نكاح رغبة ، لا دلسة ولا استهزاء بكتاب الله عزوجل ثم تذوق العسيلة».
وروى ابن المنذر وابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه : لا أوتى بمحلّل ولا
__________________
(١) في تفسيره الجامع لأحكام القرآن ، المشهور بتفسير الطبري (٢ / ٢٩١).
(٢) رواه البخاري في الصحيح (٦ / ٢٢٢) ، ٦٨ ـ كتاب الطلاق ، ٣٥ ـ باب إذا طلقها ثلاثا حديث رقم (٥٣١٧) ومسلم في الصحيح (٢ / ١٠٥٥) ، ١٦ ـ كتاب النكاح ، ١٧ ـ باب لا تحل المطلقة حديث رقم (١١١ / ١٤٣٣).
(٣) رواه ابن ماجه في السنن (١ / ٦٢٣) ، كتاب النكاح ، باب المحلل حديث رقم (١٩٣٦).
(٤) الجامع الصحيح كتاب النكاح باب ما جاء في المحلل حديث رقم (١١٢٠).
