رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) [النساء : ٦] فعلّق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين :
أحدهما : بلوغ النكاح.
والثاني : إيناس الرشد.
ورجع الحنفية ما ذهبوا إليه بأنّ استعمال المشدّد بمعنى المخفّف لا يحتاج إلى إضمار شيء. أما مذهب المالكية فيحتاج إلى إضمار (بالماء).
وقالوا على الثاني : إنّ ما ذهبتم إليه يخل بحكم الغاية ، أمّا ما ذهبنا إليه فيحفظ حكم الغاية ، ويقرها على أصلها ، ويوافق ما يفهمه العرب من مثله ، فإذا قلت : لا تعط زيدا حتى يدخل الدار ، فإذا دخل الدار فأعطه درهما. كان المفهوم منه أن ما ذكر في الشرط هو المذكور في الغاية ، وليس ذلك تجديد شرط زائد.
(فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) بالنكاح لا بالسفاح ، وقيل : من حيث أحلّ لكم الإتيان ؛ لا صائمات ؛ ولا محرمات ؛ ولا معتكفات. وقيل : من حيث أمركم الله باعتزالهن ، وهذا الأمر للإباحة. لا للوجوب ، لأنّه بعد الحظر ، وقد اختلف فيه ، والحق أنه لا يقتضي الوجوب ، وذهب ابن حزم إلى أنه يجب غشيانهن بعد الطهر.
(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).
محبة الله : هي إرادته ثواب العبد.
والتوبة : هي رجوع العبد عن حالة المعصية عن إتيان النساء في غير موضع الحرث ، وقيل : هم الذين لا ينقضون التوبة ، طهّروا أنفسهم بعدم الرّجوع إلى المعصية ، والأول هو المنعطف على سابق الآية. المنتظم معها.
قال الله تعالى : (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) حَرْثٌ) : الحرث في اللغة الزرع. وهو على حذف مضاف ، أي موضع حرثكم ، أو الحرث بمعنى المحترث والمزدرع ؛ وإنما كانت النساء محترثا ومزدرعا ، لأنّهنّ مكان نبات الولد.
المعنى : نساؤكم مزدرع لكم ، تثمر لكم الأولاد ، فأتوا هذا المزدرع ، (أَنَّى شِئْتُمْ) على أي وجه شئتم ؛ مقبلة ، أو مدبرة ؛ مضطجعة ؛ أو قائمة ؛ أو منحرفة ، بعد أن يكون المأتى في موضع الحرث.
وقد روى مجاهد قال : عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته ، أو قفه عند كل آية ، وأسأله عنها ، حتى انتهى إلى هذه الآية (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) فقال ابن عباس : إنّ هذا الحيّ من قريش كانوا
