والعرب دون الكتابيات ، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمشركات عامّ في جميع من ذكرن ، إلا أنه نسخ بقوله : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة : ٥].
وسبب الخلاف أنّ كلّ كافر بالحقيقة مشرك ، ولذلك يروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية ، وقال : أيّ شرك أعظم ممّن يقول : عيسى الله ، أو ولد الله؟ تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيرا.
والعرف قد خصص المشرك بمن لا كتاب له من الوثنيين والمجوس. وقال الله : (ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وقال : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ) [البينة : ١] وقد ورد في سورة المائدة (وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة : ٥] فبعضهم حمل لفظ المشركات على عمومه ، فحرّم كلّ مشركة ولو كتابية.
وزعم أنّ قوله تعالى : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) مقيّد بقيد وهو إذا آمنّ ، وبعضهم حمل المشركات على عمومه وقال : آية المائدة مخصّصة ، وقال بعضهم : هي ناسخة ، لأنّها أخرجت الكتابيات من الحرمة.
وبعضهم حمله على العرف الخاص ، فقال : لا نسخ ولا تخصيص. وهذه الآية أفادت حكما ، وهو حرمة نكاح الوثنيات والمجوسيات ، وآية المائدة أفادت حكما آخر ، وهو حلّ نكاح الكتابيات ، فلم تتعارضا.
وممّن روي عنه القول بحرمة الكتابيات عمر بن الخطاب.
فقد أخرج ابن جرير (١) عن شهر بن حوشب. قال : سمعت عبد الله بن عباس يقول : نهى رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات كل ذات دين غير الإسلام. وقال الله تعالى : (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) [المائدة : ٥].
وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية ، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية ، فغضب عمر بن الخطاب غضبا شديدا ، حتى همّ بأن يسطو عليهما ، فقالا : نحن نطلّق يا أمير المؤمنين ، ولا تغضب ، فقال : لئن حلّ طلاقهنّ لقد حلّ نكاحهنّ ، ولكن أنتزعن عنكما حقرة (٢) قمئة.
وقد قال ابن جرير بعد ذلك : وأما القول الذي روى شهر بن حوشب عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنه من تفريقه بين طلحة وحذيفة وامرأتيهما اللتين
__________________
(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٢ / ٢٢٢).
(٢) ذلة ، انظر لسان العرب لابن منظور (٤ / ٢٠٧).
