ومن نظر إلى أحوال مصر وجد الإحسان فيها فوضى ، وما أحوجها إلى عمل ينتظم به الإحسان ، ليقع موقعه ، ويصيب أهله.
قال الله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)).
كتب : فرض.
الكره بالضم : ما حمل الرجل نفسه عليه من غير إكراه أحد إياه عليه. والكره بالفتح : ما حمله عليه غيره ، قال معاذ بن مسلم (١) الكره : المشقة ، والكره : الإجبار ، وقال بعضهم : الكره والكره لغتان بمعنى واحد ، كالغسل والغسل ، والضعف والضعف ، وقيل : هو بفتح الكاف اسم ، وبالضم مصدر. وهو إما على حذف مضاف. أي ذو كره ، أو من باب الوصف بالمصدر مبالغة كقولها :
فإنّما هي إقبال وإدبار
وقيل : إن المصدر أقيم مقام اسم المفعول.
المعنى : فرض عليكم أيها المسلمون قتال الكفار ، وهو كره لكم ، ولعلّكم تكرهون شيئا وهو خير لكم ، ولعلكم تحبون شيئا وهو شرّ لكم ، إذ هم يكرهون القتال وفيه الفتح ؛ والغنيمة ؛ والشهادة ؛ والقوة. ويحبون القعود ، وفيه الذلّ والاستعباد ، والله يعلم ما هو خير لكم مما هو شر لكم. فلا تكرهوا ما فرض عليكم من القتال. فإنّه يعلم أنه خير لكم في عاجلكم ، ولا تحبوا القعود ، فإنّه شر لكم ، فإنّ الدنيا بنيت على التدافع ، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الله ، وقد اختلف في الذين كتب عليهم القتال في هذه الآية :
١ ـ قال الأوزاعي : نزلت في الصحابة ، فهم الذين كتب عليهم الجهاد ، وبه قال عطاء.
٢ ـ وقال غيرهما : إنّ القتال قد كتب على جميع المسلمين ، لكن تختلف الحال ، فإن كان الإسلام ظاهرا فهو فرض على الكفاية ، وإن كان العدو ظاهرا فهو فرض على الأعيان ، حتّى يكشف الله ما بهم ، وهذا هو الظاهر.
وقد روى البخاري عن مجاشع : قال أتيت النبي صلىاللهعليهوسلم أنا وأخي ، فقلت : بايعني على الهجرة ، فقال : «مضت الهجرة لأهلها» (٢).
قلت : علام تبايعنا؟
__________________
(١) أبو مسلم الهرّاء النحوي أديب معمر ، من أهل الكوفة ، انظر الأعلام للزركلي (٧ / ٢٥٨).
(٢) رواه البخاري في الصحيح (٤ / ١١) ، ٥٦ ـ كتاب الجهاد ، ١١٠ ـ باب البيعة في الحرب حديث رقم (٢٩٦٢ ، ٢٩٦٣) ، ومسلم في الصحيح (٣ / ١٤٨٧) ، ٣٣ ـ كتاب الإمارة حديث رقم (٨٣ / ١٨٦٣).
