(فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ).
الإفاضة : الاندفاع في السير بكثرة ، منه : أفاض البعير بجرّته : ألقاها منبثة ، وأفاض الأقداح في الميسر : جمعها ، ثم ألقاها متفرقة. وإفاضة الماء من هذا. والإفاضة في الحديث : الاندفاع فيه بكثرة ، وتصرّف في وجوهه.
فمعنى قوله : (فَإِذا أَفَضْتُمْ) دفعتم أنفسكم بكثرة (مِنْ عَرَفاتٍ) جمع عرفة ، هي اسم لموضع واحد ، ولكنه لسعته ، ووقوف الناس فيه جماعات وأفرادا ، وموضع كل فرد وجماعة منه بالنسبة إليها في حجها عرفة ، قيل له عرفات من أجل ذلك.
واليوم التاسع من ذي الحجة يقال له : يوم عرفة ، لأنه يوم الوقوف بعرفة. والوقوف بعرفة ركن ، لا يدرك الحجّ إلا من أدركه ، ولا نعلم خلافا بين العلماء في ذلك ، إلا ما روي عن الحسن أنه قال : إنه واجب ، من أدركه فقد أدّاه ، ومن لا ، فيكفيه الوقوف بجمع.
وفي الآية دلالة على أنّ الوقوف بعرفة لا بدّ منه ، لأنه قد رتّب عليه الأمر بالذكر عند المشعر الحرام ، وهو واجب مشروط بالإفاضة من عرفات ، والإفاضة من عرفات تستدعي الوجود في عرفات ، وما لا يتمّ الواجب ألا بوجوده فهو واجب ، والمشعر الحرام المراد منه : المزدلفة. والوقوف بها قيل : سنة ، وقيل : واجب. وعن علقمة وقتادة أنهما قالا : إن الوقوف بها ركن.
وقد اختلف في الذكر المطلوب عند المشعر الحرام ، فقال بعضهم : المراد منه الجمع بين صلاة المغرب ، وصلاة العشاء بمزدلفة ، ولعل في قوله صلىاللهعليهوسلم لمن سأله أن يصلّي في الطريق «الصلاة أمامك» (١) إشارة إليه.
وقال بعضهم : بل المراد الذكر باللسان : من التسبيح ، والتحميد ، والتهليل والتلبية ، وقد ورد عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس وقال : كان الناس في هذه الليلة لا ينامون.
(وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ) أي واذكروه لهدايته إياكم ، على حدّ قوله : (كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ).
وقد قيل : إنه كرّر الأمر بذكر الله لأنّ الأمر الأوّل ذكر لساني ، والآخر قلبي ، ويحتمل أنه كرّر الأمر بالذكر للحث على مواصلة الذكر ، كأنه قيل : واذكروه واذكروه ، أي اذكروه ذكرا بعد ذكر ، ويرجع في المعنى إلى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ
__________________
(١) رواه مسلم في الصحيح (٢ / ٩٣٤) ، ١٥ ـ كتاب الحج ، ٤٧ ـ باب الإفاضة من عرفات حديث رقم (٢٧٦ / ١٢٨٠).
