يجعلها عمرة ، وإذا أدركته أشهر الحج قبل أن يجعلها عمرة ؛ مضى في الحج وأجزأه.
وقال الشافعي : لا يجوز لأحد أن يهلّ بالحج قبل أشهر الحج ، وهو قول أحمد والآية بظاهرها تشهد له ، لأنّها قد جعلت وقت الحج هذه الأشهر المعلومات ، والإحرام للعبادة عنه.
(فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ) المعنى : فمن ألزم نفسه الحجّ بأن يحرم به.
وقد اختلف الفقهاء في العمل الذي يصير به المحرم محرما ، فقال الشافعي : إنه يصير محرما بمجرد النية.
وقال الحنفية : لا يكون محرما حتى يلبّي. أو يسوق الهدي. وإثبات هذا أو هذا إنما يكون من السنّة ، لأنّ الآية ليس فيها أزيد من أنّ من ألزم نفسه الحجّ فليترك الرفث والفسوق والجدال أما أن الإلزام يكون بماذا؟ فلم تتعرّض له الآية ، فليلتمس بيانه من السنّة.
(فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ).
الرفث : تقدّم بيانه في آية الصوم والفسوق ، والفسق : مصدران بمعنى واحد ، وهو الخروج عن طاعة الله إلى المعصية ، وهو وإن كان قد أطلق في بعض المواضع مرادا منه نوع خاص ، إلا أنه اسم عامّ يجب أن يبقى على عمومه ، لا يخرج منه شيء إلا ما يخرجه الدليل. والدليل هنا غير موجود.
والجدال (١) فعال من المجادلة ، وأصله من الجدل الذي هو الفتل ، يقال : زمام مجدول ، مفتول ، والجديل : الزمام ، لأنه لا يكون إلا مفتولا ، وسمّيت المخاصمة جدالا ، لأنّ كلا من الخصمين يودّ لو يقدر على فتل صاحبه ، وقد ذكر المفسّرون وجوها كثيرة في تفسير هذه الكلمات ، وكلها تخرجها عن عمومها ، وخيرها ما ذكره القاضي من أن المراد من الآية الحثّ والترغيب على الأخلاق الفاضلة ، فهي خبر لفظا ، نهي معنى ، ويراد من الرفث : الجماع ومقدماته ، وقول الفحش. ومن الفسوق جميع أنواع المعاصي ، ومن الجدال جميع أنواع الخصام.
(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ) أعدوا عدتكم بسفركم لملاقاة ربّكم يوم العرض عليه ، وتزوّدوا من التقوى ، فإنّها خير زاد يبلغ بكم السلامة والعافية.
قال الأعشى :
|
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى |
|
ولا قيت بعد الموت من قد تزوّدا |
__________________
(١) الجدال : المراء والخصومة انظر ، لسان العرب لابن منظور (١١ / ١٠٥).
