وقوله سبحانه : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) المعنى : في هذه الآية التّنبيه على آيات الله الموجودة في أنواع مخلوقاته المنصوبة لمن فكّر واعتبر ؛ كالدواب والطير ، ويدخل في هذين جميع الحيوان ، وهي أمم أي : جماعات مماثلة للناس في الخلق ، والرزق ، والحياة ، والموت ، والحشر.
ويحتمل أن يريد بالمماثلة في كونها أمما لا غير ، إلا أن الفائدة في هذه الآية بأن تكون المماثلة في أوصاف غير كونها أمما.
قال الطبري (١) ، وغيره : والمماثلة في أنها يهتبل بأعمالها ، وتحاسب ، ويقتصّ لبعضها من بعض ، على ما روي في الأحاديث ؛ أي : فإذا كان هذا يفعل بالبهائم ، فأنتم أحرى إذ أنتم مكلّفون عقلاء.
وروى أبو ذرّ : أنه انتطحت عنزان بحضرة النبيّ صلىاللهعليهوسلم فقال : «أتعلمون فيما انتطحتا»؟ / قلنا : لا ، قال : فإنّ الله يعلم وسيقضي بينهما» (٢).
وقال مكّي : المماثلة في أنها تعرف الله ، وتعبده.
وقوله : (بِجَناحَيْهِ) تأكيد ، وبيان ، وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة ؛ إذ يقال : طائر السّعد ، والنّحس. وقال تعالى : (أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) ([الإسراء : ١٣] ، ويقال : طار لفلان طائر كذا ، أي : سهمه في المقتسمات ، فقوله تعالى : (بِجَناحَيْهِ) إخراج للطائر عن هذا كله.
وقوله سبحانه : (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) التفريط : التقصير في الشّيء مع القدرة على ترك التقصير.
قال أبو حيان (٣) : أصل فرّطنا يتعدّى ب «في» ثم يضمن معنى أغفلنا ، فيتعدى إلى مفعول به ، وهو هنا كذلك ، فيكون (مِنْ شَيْءٍ) في موضع المفعول به. انتهى.
و (الْكِتابِ) : القرآن وهو الذي يقتضيه نظام المعنى في هذه الآيات.
وقيل : اللوح المحفوظ ، و (مِنْ شَيْءٍ) على هذا القول عامّ في جميع الأشياء ، وعلى
__________________
(١) ينظر الطبري (٥ / ١٨٦)
(٢) أخرجه أحمد (٥ / ١٧٢) ، والطيالسي (٤٨٠) من حديث أبي ذر.
وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠ / ٣٥٥) ، وقال : وفيه راو لم يسم.
(٣) ينظر : «البحر المحيط» (٤ / ١٢٦)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
