وقوله تعالى : (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) ذكرت «الكعبة» ؛ لأنها أم الحرم ، والحرم كلّه منحر لهذا الهدي ؛ ولا بد أن يجمع في هذا الهدي بين الحلّ والحرم حتّى يكون بالغ الكعبة ، فالهدي لا ينحر إلا في الحرم.
واختلف في الطّعام ، فقال جماعة : الإطعام والصّوم حيث شاء المكفّر من البلاد ، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : الهدي والإطعام بمكّة (١) ، والصوم حيث شئت.
وقوله سبحانه : (لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ) : الذوق هنا مستعار ، والوبال : سوء العاقبة ، والمرعى الوبيل هو الذي يتأذّى به بعد أكله ، وعبّر ب (أَمْرِهِ) عن جميع حاله ؛ من قتل وتكفير ، وحكم عليه ، ومضيّ ماله ، أو تعبه بالصّوم ، واختلف في معنى قوله سبحانه : (عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ ...) الآية : فقال عطاء بن أبي رباح ، وجماعة : معناه : عفا الله عما سلف في جاهليّتكم من قتلكم الصيد في الحرمة (٢) ، ومن عاد الآن في الإسلام ، فإن كان مستحلّا ، فينتقم الله منه في الآخرة ، ويكفّر في ظاهر الحكم ، وإن كان عاصيا ، فالنقمة هي في إلزام الكفّارة فقط ، قالوا : وكلّما عاد المحرم ، فهو يكفّر.
قال ع (٣) : ويخاف المتورّعون أن تبقى النّقمة مع التكفير ، وهذا هو قول الفقهاء مالك ونظرائه ، وأصحابه (رحمهمالله) ، وقال ابن عباس وغيره : أما المتعمّد ، فإنه يكفّر أول مرّة ، وعفا الله عن ذنبه ، فإن اجترأ ، وعاد ثانيا ، فلا يحكم عليه ، ويقال له : ينتقم الله منك (٤) ؛ كما قال الله تعالى.
وقوله سبحانه : (وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ) : تنبيه على صفتين تقتضيان خوف من له بصيرة ، ومن خاف ، ازدجر ، ومن هذا المعنى قول النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «من خاف أدلج (٥) ، ومن
__________________
(١) ذكره ابن عطية (٢ / ٢٤٠)
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥ / ٥٩) (١٢٦٤٠) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢ / ٢٤٠) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢ / ٥٨٤) ، وعزاه لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ عن عطاء.
(٣) ذكره ابن عطية (٢ / ٢٤٠)
(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥ / ٦١) (١٢٦٥٥) ، والبغوي في «تفسيره» (٢ / ٦٥) ، وابن عطية (٢ / ٢٤٠) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢ / ٥٨٤) ، وعزاه لعبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٥) يقال : أدلج ـ بالتخفيف ـ : إذا سار من أول الليل.
ينظر : «النهاية» (٢ / ١٢٩)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
