المذكورة. واختلف العلماء في حدّ هذا العادم ، ومتى يصحّ له (١) الصيام ؛ فقال الشافعيّ ومالك وجماعة من العلماء : إذا كان المكفّر لا يملك إلّا قوته ، وقوت عياله ، يومه وليلته ، فله أن يصوم ، فإن كان عنده زائد على ذلك ما يطعم عشرة مساكين ، لزمه الإطعام ، قال (٢) الطبريّ : وقال آخرون : جائز لمن لم يكن له فضل على رأس ماله الذي يتصرّف به في معايشة ؛ أن يصوم ، وقرأ أبيّ بن كعب ، وابن مسعود : «ثلاثة أيّام متتابعات» ، وقال بذلك جماعة.
وقال مالك وغيره : إن تابع ، فحسن ، وإن فرق ، أجزأ ، وقوله : (إِذا حَلَفْتُمْ) ، معناه : وأردتم الحنث ، أو وقعتم فيه.
__________________
(١) من خصال كفارة اليمين هي صيام ثلاثة أيّام ، والعلماء متفقون على أن تلك الخصلة لا ينتقل إليها المكفر إلا بعد العجز عن الخصال السابقة ؛ لقوله تعالى : (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) [المائدة : ٨٩].
ولكنهم مختلفون في شيء آخر وراء هذا ، وهو : هل يجب التتابع في صوم تلك الأيام الثلاثة ؛ بحيث لا يتخللها فطر أو لا يجب ذلك فيه خلاف.
ذهبت الشافعية في الراجح من مذهبهم ، والمالكية ، والظاهرية ، وأحمد في رواية عنه : إلى عدم اشتراط التتابع محتجين بأنه صوم نزل به القرآن غير مقيد بالتتابع ، فجاز متفرقا ومتتابعا ؛ لأنّه لم يوجد من السنة دليل ثابت يصح أن يقيد به هذا الإطلاق ، فالتقييد بالتتابع تقييد بلا دليل.
وذهبت الحنفية ، وأحمد في مشهور مذهبه ، والثّوريّ وأبو عبيد : إلى اشتراط التتابع محتجين بقراءة أبيّ ، وابن مسعود «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام متتابعات» قائلين : إن ثبت القرآن بهذا كان حجة ووجب حمل المطلق على المقيد ؛ لأن القرآن يفسّر بعضه بعضا ، وإن لم تثبت القرآنية بهذا ، فلا يخرج ذلك عن أن يكون رواية عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم سمعها ابن مسعود ، وأبي معه ، فلها حكم الحديث المرفوع ، وهو حجة ، فيقيد به مطلق الكتاب ، وأيّا ما كان ، فالتتابع ثابت بهذا ، فلا يصح التفريق في الصّيام ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل نجد أن القول بالتتابع هو الراجح ، لأن القائلين بعدم التتابع قد حملوا المطلق في تحرير الرقبة على المقيد فيها في كفارة القتل ، حتى أوجبوا اعتبار وصف الإيمان في الرقبة مع أن السبب فيهما مختلف ، وليس لهم مستند في ذلك إلا أن كلّا من الكفارتين تجمعهما علة واحدة هي : حرمة السبب ، وهذه العلة بذاتها موجودة في الصوم في كفارة اليمين ، وقراءة أبيّ ، وابن مسعود : «فصيام ثلاثة أيّام متتابعات». فهذه القراءة ، وإن لم تثبت قرآنية هذا اللفظ ؛ لأن القرآن لا يثبت بالآحاد إلّا أنها رواية عن صحابي سمعها من الرسول صلىاللهعليهوسلم ، فلا ينبغي أن يتقوّل عليه ما لم يقله ؛ لأنه يعرف حقّ المعرفة معنى قوله عليه الصلاة والسلام : «من كذب عليّ متعمّدا ، فليتبوّأ مقعده من النّار» فتكون مقيدة للآية.
فقول من قال : إن الآية مطلقة ، ولم يرد ما يقيدها لا يقبل بعد البيان السابق ، وخصوصا إذا أمكن حمل المطلق هاهنا على المقيد في كفارة القتل ، أو الظهار ، ولا مانع منه.
ينظر : «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسانين الكاشف ، «الخطيب على المنهاج» (٤ / ٣٢٨) ، «الشرح الكبير» (٢ / ١١٨) ، «المغني» (١١ / ٢٧٣) ، «فتح القدير» (٤ / ١٨)
(٢) ينظر : «تفسير الطبري» (٥ / ٣٠)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
