وقال ابن زيد : الدرجات في الآية هي السّبع المذكورة في «براءة» في قوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ ...) [التوبة : ١٢٠] الآية (١).
قال ع (٢) : ودرجات الجهاد ، لو حصرت ، أكثر من هذه ، لكن يجمعها بذل النفس ، والاعتمال بالبدن والمال في أن تكون كلمة الله هي العليا ، ولا شكّ أنّ بحسب / مراتب الأعمال ودرجاتها تكون مراتب الجنّة ودرجاتها ، فالأقوال كلّها متقاربة ، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس.
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً)(١٠٠)
وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ...) الآية : المراد بهذه الآية إلى قوله : (مَصِيراً) جماعة من أهل مكّة كانوا قد أسلموا ، فلمّا هاجر النبيّ صلىاللهعليهوسلم أقاموا مع قومهم ، وفتن منهم جماعة ، فافتتنوا ، فلما كان أمر بدر ، خرج منهم قوم مع الكفّار ، فقتلوا ببدر ، فنزلت الآية فيهم.
قال ع (٣) : والذي يجري مع الأصول أنّ من مات من هؤلاء مرتدّا ، فهو كافر ، ومأواه جهنّم على جهة الخلود المؤبد ، وهذا هو ظاهر أمر هؤلاء ، وإن فرضنا فيهم من مات مؤمنا ، وأكره على الخروج ، أو مات بمكّة ، فإنما هو عاص في ترك الهجرة ، مأواه جهنّم على جهة العصيان دون خلود.
وقوله تعالى : (تَوَفَّاهُمُ) : يحتمل أن يكون فعلا ماضيا ، ويحتمل أن يكون مستقبلا ؛ على معنى : «تتوفّاهم» ؛ فحذفت إحدى التاءين وتكون في العبارة إشارة إلى ما يأتي من هذا المعنى في المستقبل بعد نزول الآية ، و (ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) : نصب على الحال ، أي :
__________________
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤ / ٢٣٣) برقم (١٠٢٦٢) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢ / ٩٨) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢ / ٣٦٤) ، وعزاه لابن جرير عن ابن وهب قال : سألت زيد ، وذكر الأثر.
(٢) ينظر : «المحرر الوجيز» (٢ / ٩٨)
(٣) ينظر : «المحرر الوجيز» (٢ / ٩٩)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
