قال الفلتان بن عاصم (١) (رضي الله عنه) : كنّا قعودا عند النّبيّ صلىاللهعليهوسلم ، فأنزل عليه ، وكان إذا أوحي إليه ، دام بصره مفتوحة عيناه ، وفرّغ سمعه وبصره لما يأتيه من الله ، وكنّا نعرف ذلك في وجهه ، قال : فلمّا فرغ ، قال للكاتب : اكتب : «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون ...» إلى آخر الآية ، قال : فقام الأعمى ، فقال : يا رسول الله ، ما ذنبنا؟ قال : فأنزل الله على رسوله ، فقلنا للأعمى : إنه ينزل عليه ، قال : فخاف أن ينزل فيه شيء ، فبقي قائما مكانه ، يقول : أتوب إلى رسول الله ، حتّى فرغ رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فقال للكاتب :
__________________
ـ والمجاهدون في سبيل الله) إلى آخر الآية ، فقام ابن أم مكتوم ـ وكان رجلا أعمى ـ لما سمع فضيلة المجاهدين فقال : يا رسول الله ، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلىاللهعليهوسلم السكينة ، فوقعت فخذه على فخذي ، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى ، ثم سري عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فقال : اقرأ يا زيد ، فقرأت : (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) الآية كلها.
قاله زيد : فأنزلها الله وحدها فألحقتها ، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف.
وقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي ، والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢ / ٣٦١) ، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور ، وابن سعد ، وابن المنذر ، وابن الأنباري.
حديث ابن عباس :
أخرجه الترمذي (٥ / ٢٢٥) كتاب «التفسير» ، باب سورة النساء ، حديث (٣٠٣٢) ، والبيهقي (٩ / ٤٧) كتاب «السير» ، باب النفير وما يستدل به على أن الجهاد فرض على الكفاية ، كلاهما من طريق ابن جريج عن عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال : (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) عن بدر والخارجون إلى بدر ، لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش ، وابن أم مكتوم : إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت : (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ، وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة) فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر.
وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس.
حديث زيد بن أرقم :
أخرجه الطبراني في «الكبير» (٥ / ١٩٠) برقم (٥٠٥٣) من طريق أبي إسحاق عن زيد بن أرقم قال : لما نزلت : (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) جاء ابن أم مكتوم فقال : يا رسول الله ، أما لي رخصة؟ قال : لا ، قال ابن أم مكتوم : اللهم إني ضرير فرخص لي فأنزل الله (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) فأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم بكتابتها.
وقال الهيثمي في «المجمع» (٧ / ١٢) : ورجاله ثقات.
(١) الفلتان : بفتحتين ، ومثناة فوقانية ، ابن عاصم الجرمي ، خال كليب. يعدّ في الكوفيين. قال البخاريّ : قال عاصم بن كليب : له صحبة ، وكذا قال ابن السّكن ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ـ له صحبة ، وقال البغوي : سكن المدينة. وقال ابن حبان : عداده في الكوفيين.
وقال أبو عمر : يقال المنقري ، والجرمي أصح. ينظر : «الإصابة» (٥ / ٢٨٨ ـ ٢٨٩)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
