وقوله : (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ ...) الآية ، أي : فمن لم يجد الرقبة ولا اتّسع ماله لشرائها ، فيجزيه صيام شهرين متتابعة الأيّام ، لا يتخلّلها (١) فطر ، و (تَوْبَةً) : نصب على المصدر ، ومعناه : رجوعا بكم إلى التّيسير والتّسهيل.
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً)(٩٣)
__________________
(١) دلت الآية الكريمة على أن المكفر إذا لم يجد الرقبة المؤمنة ، أو وجدها ، ولكن عجز عن تحصيلها ، فالواجب عليه حينئذ صيام شهرين متتابعين ؛ لقوله تعالى : (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ) [النساء : ٩٢] ، واشتراط التتابع في الصوم هاهنا ، قدر متّفق عليه بين العلماء. ما يقطع التتابع :
بعد اتفاقهم على اشتراط التتابع في هذه الكفارة اختلفوا فيما بينهم ، فيما يقطع به هذا التتابع ، وسنبين ذلك بعد إن شاء الله.
لا خلاف بين العلماء في أن من أفطر لغير عذر أثناء الشهرين ، فقد انقطع تتابعه للصوم ، ووجب عليه أن يستأنف الشهرين ، ويلغي ما صامه.
ولا خلاف بينهم أيضا في أنّ التتابع لا ينقطع بالحيض متى باشرت المرأة الصوم عقب الطهر ، ولم يفصل ذلك بفاصل ؛ لأن الحيض لا يمكن التحرز منه في أثناء الشهرين. إلا إذا أخرت الصوم إلى سن اليأس.
وفي تأخيره إلى هذا الوقت خطر ، وغرر ؛ لأنها ربما تموت قبل ذلك.
واختلفوا في أمور منها :
أولا : إذا تخلل صوم الكفارة شهر رمضان ، فهل صوم رمضان يقطع التتابع ، أو لا يقطعه ، فيبني على ما صامه من الكفارة.
فمذهب الشافعية ، والحنفية ، والظاهرية : أن التتابع ينقطع بذلك ، وعليه أن يستأنف ؛ لأنه قد ترك التتابع لغير عذر ؛ إذ كان في استطاعته أن يصوم شهرين ليس بينهما رمضان خصوصا وأن الكفارة لم تجب على الفور ، ولا يصح أن ينوي برمضان الكفارة ؛ لأن الزمن متعين لغيرها ، والمتعين لا يقبل غيره.
ومذهب الحنابلة : أن التتابع لا ينقطع بذلك علم بأن رمضان يتخلل صوم الكفارة ، أم لم يعلم بذلك ؛ لأنه زمن منع الشرع من صومه عن الكفارة ، فلا يقطع التتابع كزمن الحيض ، والنفاس.
وهذا ما لم ينو برمضان صوم الكفارة ، وإلا انقطع التتابع ، ولا يجزيه عن رمضان ، ولا عن الكفارة.
أمّا أنه لا يجزيه عن الكفارة ، فلأن الزمن متعين لغيرها ، ولا يقبل غير ما عين له.
وأما أنه لم يجزه عن رمضان ؛ فلأنه لم ينوه ، وإنما نوى غيره ، والنبيّ صلىاللهعليهوسلم يقول : «إنّما الأعمال بالنّيّات ، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى ...» ومذهب المالكية : إن جهل تخلل رمضان لصوم الكفارة لم ينقطع التتابع بذلك ؛ لعذره بالجهل ، وإن علم بذلك انقطع تتابعه ؛ لأنه كان في وسعه أن يؤخر الصوم إلى زمن لا يعترضه رمضان ، والكفارة ليست واجبة على الفور ، حتى يعذر بذلك ، ولا يجزيه صوم رمضان عن الكفارة سواء نوى الكفارة وحدها ، أو أشركها مع رمضان ؛ لأن الزمن متعين لغيرها.
ينظر : «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسانين.
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
