لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً)(٩١)
وقوله تعالى : (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ...) الآية : لما وصف الله سبحانه المحقّقين في المتاركة وإلقاء السّلم ، نبّه على طائفة مخادعة كانوا يريدون الإقامة في مواضعهم مع أهليهم ، يقولون لهم : نحن معكم وعلى دينكم ، ويقولون أيضا للمسلمين : نحن معكم ، وعلى دينكم ؛ خبثة منهم وخديعة ، وقوله : (إِلَى الْفِتْنَةِ) : معناه : إلى الاختبار ، حكي أنهم كانوا يرجعون إلى قومهم ، فيقال لأحدهم : قل : ربّي الخنفساء ، ربّي العود ، ربّي العقرب ، ونحوه ، فيقولها ، ومعنى : (أُرْكِسُوا) : أي : رجعوا رجع ضلالة ، أي : أهلكوا في الاختبار بما واقعوه من الكفر ، وهذه الآية حضّ على قتل هؤلاء المخادعين ؛ إذا لم يرجعوا عن حالهم ، و (ثَقِفْتُمُوهُمْ) : مأخوذ من الثّقاف ، أي : ظفرتم بهم ، مغلوبين متمكّنا منهم ، والسّلطان : الحجّة ، قال عكرمة : حيثما وقع السلطان في كتاب الله عزوجل ، فهو الحجّة (١).
(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً)(٩٢)
وقوله تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ...) الآية : قال جمهور المفسّرين : معنى الآية : وما كان في إذن الله ، وفي أمره للمؤمن أن يقتل مؤمنا بوجه ، ثم استثنى استثناء / منقطعا ليس من الأول ، وهو الذي تكون فيه «إلّا» بمعنى «لكن» ، والتقدير : لكن الخطأ قد يقع ، ويتّجه في معنى الآية وجه آخر ، وهو أن تقدّر «كان» بمعنى «استقرّ» ، و «وجد» ؛ كأنه قال : وما وجد ، ولا تقرّر ، ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ؛ إذ هو مغلوب فيه ، فيجيء الاستثناء على هذا متّصلا ، وتتضمّن الآية على هذا إعظام العمد ، وبشاعة شأنه.
وقوله تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ...) الآية : حقيقة الخطإ ألّا يقصده بالقتل ، ووجوه الخطإ كثيرة لا تحصى ، يربطها عدم القصد.
__________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٤ / ٢٠٤) (١٠٠٩٢) ، وابن عطية (٢ / ٩٢)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
