قال ص : (أَرْكَسَهُمْ) ، أي : ردّهم في الكفر.
وقال ابن العربيّ في «أحكامه» : أخبر الله تعالى أنه ردّ المنافقين إلى الكفر ، وهو الإركاس ، وهو عبارة عن الرجوع إلى الحالة المكروهة ؛ كما قال في الرّوثة : «إنّها ركس» ، أي : رجعت إلى حالة مكروهة ، فنهى الله سبحانه الصحابة أن يتعلّقوا فيهم بظاهر الإيمان ؛ إذ كان باطنهم الكفر ، وأمرهم بقتلهم ، حيث وجدوهم. انتهى.
وقوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ...) الآية.
قال ص : (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ) : استثناء متّصل من مفعول (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ). انتهى.
قال ع (١) : هذه الآية من آيات الموادعة في أول الإسلام ، ثم نسخت بما في سورة «براءة» فالآية تقتضي أنّ من وصل من المشركين الذين لا عهد بينهم ، وبين النبيّ صلىاللهعليهوسلم إلى هؤلاء أهل العهد ، فدخل في عدادهم ، وفعل فعلهم من الموادعة ، فلا سبيل عليه.
وقوله تعالى : (أَوْ جاؤُكُمْ) : عطف على (يَصِلُونَ) ، ويحتمل أن يكون على قوله : (بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) ، والمعنى في العطفين مختلف ، وهذا أيضا حكم قبل أن يستحكم أمر الإسلام ، فكان المشرك ، إذا اعتزل القتال ، وجاء إلى دار الإسلام مسالما كارها لقتال قومه مع المسلمين ، ولقتال المسلمين مع قومه ، لا سبيل عليه ، وهذه نسخت أيضا بما في «براءة» ، ومعنى (حَصِرَتْ) : ضاقت ، وحرجت ؛ ومنه : الحصر في القول ، وهو ضيق الكلام على المتكلّم ، و (حَصِرَتْ) : في موضع نصب على الحال ، واللّام في قوله : (لَسَلَّطَهُمْ) جواب «لو» ، والمعنى : ولو شاء الله ، لسلّط هؤلاء الّذين هم بهذه الصّفة من المسالمة والمتاركة عليكم ، (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) ، أي : إذا وقع هذا ، فلم يقاتلوكم ، فلا سبيل لكم عليهم ، وهذا كلّه ، والذي في سورة «الممتحنة» : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ ...) [الممتحنة : ٨] الآية : منسوخ ؛ قاله قتادة وغيره (٢).
و (السَّلَمَ) : الصّلح.
(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا
__________________
(١) ينظر : «المحرر الوجيز» (٢ / ٩٠)
(٢) ذكره ابن عطية (٢ / ٩١)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
