وقوله تعالى : (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ...) الآية : عرف «أم» أن تعطف بعد استفهام متقدّم ؛ كقولك : أقام زيد أم عمرو؟ فإذا وردت ، ولم يتقدّمها استفهام ؛ كما هي هنا ، فمذهب سيبويه ؛ أنّها مضمّنة معنى الإضراب عن الكلام الأوّل ، والقطع منه ، وهي متضمّنة مع ذلك معنى الاستفهام ، فهي بمعنى «بل» مع همزة استفهام ؛ كقول العرب : «إنها لإبل أم شاء» ، التقدير عند سيبويه : إنّها لإبل بل أهي شاء؟ وكذلك هذا الموضع : بل ألهم نصيب من الملك ، فإذا عرفت هذا ، فالمعنى على الأرجح الذي هو مذهب سيبويه والحذّاق : أنّ هذا استفهام على معنى الإنكار ، أي : ألهم ملك ؛ فإذن لو كان ، لبخلوا به ، والنّقير : هي النّكتة التي في ظهر النّواة من التّمر ؛ هذا قول الجمهور ، وهذا كناية عن الغاية في الحقارة والقلّة ، وتكتب «إذن» بالنّون وبالألف ، فالنّون هو الأصل ؛ ك «عن» ، و «من» ، وجاز كتبها بالألف ؛ لصحّة الوقوف عليها ، فأشبهت نون التّنوين ، ولا يصحّ الوقوف على عن ومن.
وقوله تعالى : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ ...) الآية : «أم» هذه على بابها من العطف بعد الاستفهام.
وقال ص : (أَمْ يَحْسُدُونَ) : «أم» أيضا منقطعة تتقدّر ب «بل» و «الهمزة». انتهى. قلت : والظاهر ما قاله ع (١) واختلف في المراد ب «الناس» هنا.
فقال ابن عبّاس وغيره : هو النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، والفضل : النبوّة فقط (٢) ، والمعنى : فلم يخصّونه بالحسد ، ولا يحسدون آل إبراهيم في جميع ما آتيناهم من هذا وغيره من الملك ، وقال قتادة : «النّاس» هنا : العرب ، حسدتها بنو إسرائيل في أن كان النبيّ صلىاللهعليهوسلم منها ، والفضل على هذا التأويل هو محمّد صلىاللهعليهوسلم (٣) ، قال أبو عمر بن عبد البرّ : وقد ذمّ الله قوما على حسدهم ، فقال : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) ، ثم حدّث بسنده ، عن عمرو بن ميمون ، قال : لما رفع الله موسى نجيّا ، رأى رجلا متعلّقا بالعرش ، فقال : يا ربّ ، من هذا ، فقال : هذا عبد من عبادي ، صالح ، إن شئت أخبرتك بعمله ،
__________________
(١) ينظر : «المحرر الوجيز» (٢ / ٦٨)
(٢) ذكره البغوي (١ / ٤٤٢) ، وابن عطية (٢ / ٦٨)
(٣) أخرجه الطبري (٤ / ١٤١) برقم (٩٨٢٥) ، وذكره البغوي (١ / ٤٤٢) ، وابن عطية (٢ / ٦٨) ، والسيوطي (٢ / ٣٠٩) وعزاه لابن جرير.
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
