أيضا : تنبيه على أنه ربّما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض الحرائر ، فلا تعجبوا بمعنى الحرّيّة ، والمقصد بهذا الكلام أنّ الناس سواء ، بنو الحرائر ، وبنو الإماء ، أكرمهم عند الله أتقاهم ، وفي هذا توطئة لنفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة.
وقوله تعالى : (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَ) ، معناه : بولاية أربابهنّ المالكين ، (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) ، أي : مهورهنّ ، (بِالْمَعْرُوفِ) : معناه : بالشّرع والسّنّة ، و (مُحْصَناتٍ) : الظاهر أنه بمعنى عفيفات.
قال ص : محصنات : منصوب على الحال ، والظّاهر أنّ العامل وآتوهنّ ، ويجوز أن يكون العامل : فانكحوهنّ محصنات ، أي : عفائف. انتهى.
والمسافحات : الزواني المتبذّلات اللّواتي هنّ سوق للزّنا ، ومتّخذات الأخدان هنّ المستترات اللواتي يصحبن واحدا واحدا ، ويزنين خفية ، وهذان كانا نوعين في زنا الجاهليّة ؛ قاله ابن عبّاس وغيره (١).
__________________
ـ الكتابيات ؛ إذ ليس هناك ما يمنع ثبوت حكم بسياق اللفظ وآخر بإشارته.
وما استندوا إليه من الاتفاق على حل الحرائر لا ينهض حجة لهم ؛ لأن التحريم لا يثبت إلا بنص ، فما لم يرد يكون حكم العموم جاريا على أفراده ، وهاهنا كذلك ، فتكون العمومات متناولة للحرائر والإماء على أن الراجح إرادة العفائف من المحصنات لا غيرها في هذا المقام ، كما روي هذا عن جماعة من السلف. وأيده كون العفة من معاني الإحصان ، وورود القرآن الكريم بذلك ، وما عدا هذا المعنى من معاني الإحصان فغير مراد ؛ لعدم قيام الدليل ، وحيث كانت العفة هي المرادة وهي صادقة على الحرائر والإماء ، وجب اعتبار عموم العفة في تناولها للحرائر والإماء ، فوجب القول بحل الإماء الكتابيات ؛ لأنها من أفراد العام في الآية.
واستدلوا ثانيا بالمعقول ، وهو قياس الأمة الكتابية على الأمة المسلمة بجامع جواز وطء كل منهما بملك اليمين ، فحيث جاز نكاح الأمة المسلمة اتفاقا ، جاز كذلك نكاح الأمة الكتابية.
ونوقش : بأن وطء الإماء بملك اليمين أقل شأنا من وطئهن بملك النكاح. وثبوت الحكم في الأدنى غير مستلزم ثبوته في الأعلى ، ولذا كانت الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك اليمين ، وعند وجود حرة تحت الزوج يمتنع ، ولو كانت حرة لا أمة لجاز النكاح.
وأجيب : بأن ما استظهر به من منع نكاح الأمة المسلمة عند وجود حرة ، لا يصلح علة في جميع الأحوال ، بل هو علة لجواز الأمة منفردة غير مجموعة إلى غيرها ، ومن هنا كانت الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك اليمين ، ويجوز نكاحها منفردة ، وحين تكون تحت الزوج حرة يمتنع نكاحها من جهة أخرى هي جمعها مع حرة.
ينظر : «أثر الاختلاف في الأحكام» لشيخنا بدران أبو العينين.
(١) أخرجه الطبري (٤ / ٢٢) برقم (٩٠٧٦) بنحوه ، وذكره ابن عطية (٢ / ٣٩) ، والسيوطي (٢ / ٢٥٤) ، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
