عندهم ؛ قلت : والعلّة في منع نكاح الأمة ما يئول إليه الحال من استرقاق الولد.
__________________
ـ عمومها ؛ فلا يحتج بها. ثم ما تقدم على القول بتفسير المحصنات بالحرائر. أما إن فسرت بالعفائف (كما جرى عليه الحنفية استنادا إلى أن الإحصان في كلام العرب عبارة عن المنع ، وهو يحصل بالحرية والإسلام). فاسم العفائف متناول للحرائر والإماء ، فيكنّ في الحكم سواء. وحيث وقع الاتفاق على حل الحرائر ، فالإماء كذلك ؛ لعدم الفصل في الدليل المبيح.
وثانيا من الكتاب : قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) [النساء : ٢٥] دلت الآية على أن حل المتزوج بالإماء مشروط بشرطين هما إيمانهن وعدم قدرة المتزوج بهن على طول الحرة ، فإذا انتفى الإيمان منهن (وهو أحد الشرطين) بأن كن كتابيات انتفى الحكم ، وهو الحل ، فيحرم نكاحهن بناء على أن الحكم متى علق بشرط أو أضيف إلى مسمى بوصف خاص ، أوجب نفي الحكم عند عدم الشرط أو الوصف ، فكان انتفاء الشرطين أو أحدهما وهو الإيمان مفيدا لتحريم الإماء.
ونوقش بأن هذه الآية غاية ما تفيد وجود الحكم عند وجود الشرط ، أما نفي الحكم عند نفي الشرط ، فلم تتعرض له الآية ، فلا دلالة فيها على التحريم ؛ إذ اللفظ لا يدل على خلاف الموضوع له.
وغاية درجات الوصف إذا كان مؤثرا أن يكون علة ، ولا تأثير للعلة في نفي الحكمة ؛ لأن عدم العلة لا يصلح أن يكون علة لعدم الحكم ؛ لكون العدمي لا يكون علة لحكم عدمي ولا وجودي ، وعلى ذلك فالآية أفادت حل الإماء المؤمنات عند الشرط لا تحريم الكتابيات.
ولو سلمنا للمستدل حجية المفهوم ، فمقتضى مفهوم الآية عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح ، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الكراهة أو الحرمة ؛ لأنه لا دلالة للأعم على أخص بخصوصه. وعليه يجوز ثبوت الكراهة أو الحرمة على السواء لا ثبوت الحرمة بعينها ، لكن لما كانت الكراهة أقل تعينت ، وإليها مالت الحنفية. وصرح بذلك صاحب «البدائع» منهم.
فإن قال قائل : إن الوصف بالإيمان يدل على الحرمة عند عدمه ، فتحرم الأمة الكتابية ؛ لعدم تحقق وصف الإيمان فيها. ولهذا نظير معتبر متفق عليه وارد في القرآن الكريم هو قوله تعالى في كفارة القتل : (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [النساء : ٩٢] فقد وقع الاتفاق على عدم إجراء الرقبة الكافرة في هذه الكفارة ؛ لكونها مقيدة بالإيمان ، فكأنهم اعتبروا الوصف الوارد في الآية.
أجيب بأن تحرير الرقبة في كفارة القتل لم يشرع إلا مقيدة بالإيمان ، بخلاف النكاح ؛ فقد شرح مطلقا ومقيدا.
واستدل المانعون بالمعقول من وجهين :
الوجه الأول : أن نكاح الإماء في الأصل ثبت ضرورة وما ثبت بالضرورة يقتصر على قدرها الوارد به النص. وقد ورد النص بحل الحرائر والإماء المؤمنات ؛ لكون الضرورة مرتفعة بهما ، فلا تحل الإماء الكتابيات لعدم ورود النص بذلك.
أما أن نكاح الإماء ثابت ضرورة ، فلما فيه من تعريض الولد للرق الذي هو موت حكما ، فكان كالإهلاك حسّا ؛ إذ به يخرج الشخص عن أن يكون منتفعا به في حق نفسه ملحقا بالعجماوات في البيع والشراء ، وهلاك الجزء من غير ضرورة لا يجوز.
والوجه الثاني : هو أن التزوج بالإماء الكتابيات يؤدي إلى تعريض ولد الحر المسلم لرق الكافر ؛ لأن الولد ينشأ رقيقا برق أمه ، فإذا كانت الأم مملوكة لكافر وتزوجها حر مسلم نشأ الولد رقيقا برق أمه ، ـ
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
