وقوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ...) الآية : قال ابن عبّاس وغيره : الطّول هنا : السّعة في المال (١) ؛ وقاله مالك في «المدوّنة» ، فعلى هذا التأويل لا يصحّ للحرّ أن يتزوّج الأمة إلّا باجتماع شرطين : عدم السّعة في المال ، وخوف العنت ، وهذا هو نصّ مالك في «المدوّنة».
قال مالك في «المدوّنة» : «وليست الحرّة تحته بطول ، إن خشي العنت» ، وقال في «كتاب محمّد» ما يقتضي أنّ الحرّة بمثابة الطّول.
قال الشيخ أبو الحسن اللّخميّ : وهو ظاهر القرآن ، ونحوه عن ابن حبيب (٢).
وقال أبو حنيفة : وجود الحرّة تحته لا يجوز معه نكاح الأمة ؛ وقاله (٣) الطّبريّ ، وتقول : طال الرّجل طولا (بفتح الطاء) ؛ إذا تفضّل ، ووجد ، واتّسع ، وطولا (بضمها) : في ضدّ القصر ، و (الْمُحْصَناتُ) في هذا الموضع : الحرائر ـ والفتاة ، وإن كانت في اللغة واقعة على الشّابّة ، أيّة كانت ، فعرفها في الإماء ، وفتى كذلك ، و (الْمُؤْمِناتِ) ؛ في هذا الموضع : صفة مشترطة عند مالك ، وجمهور أصحابه ، فلا يجوز نكاح أمة كافرة (٤)
__________________
(١) أخرجه الطبري (٤ / ١٧) برقم (٩٠٥٢) بنحوه ، وذكره ابن عطية (٢ / ٣٧) ، والسيوطي (٢ / ٢٥٣) بنحوه ، وعزاه لابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.
(٢) ذكره ابن عطية (٢ / ٣٧)
(٣) ينظر : «تفسير الطبري» (٤ / ١٨)
(٤) اختلف الفقهاء في ذلك ، فذهب إلى جوازه مع كونه خلاف الأولى الحنفية وأحمد في رواية ، وهو المنقول في «العتبية» و «الواضحة» من سماع ابن القاسم عن مالك.
وذهب الشافعية والحنابلة في ظاهر مذهبهم ، والمالكية في المشهور عندهم إلى القول بعدم جواز التزوج مطلقا.
استدل المانعون بالكتاب :
أولا : قوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) [البقرة : ٢٢١] وجه الدلالة : أن الآية دلت على تحريم المشركات. والكتابية مشركة ، فيحرم نكاحها حرة كانت أو أمة ؛ لاندراجها تحت العموم ، لا أن الله (تعالى) خص الحرائر بالحل بقوله : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) [المائدة : ٥] ؛ إذ المراد بالمحصنات الحرائر ، فبقيت الإماء على أصل المنع وعدم الحل كالوثنيات والمجوسيات.
ونوقش بأن المستدل منع فيما تقدم أن تكون الكتابية مشركة ، ونفى إرادة الكتابية من لفظ «المشركات» في قوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ) ، وكيف يصح هذا وقد خصهن العرف باسم آخر ولم يطلق عليهم اسم الشرك؟! يؤيده خصوصية كل منهما باللفظ ، والعطف في أسلوب القرآن ، فإن الأخير يقتضي المغايرة.
ولو سلمنا اندراجهن تحت عموم المشركات وإرادتهن من اللفظ ، فقد خرجن بالاتفاق على تخصيص هذا العموم بحل الحرائر من الكتابيات بآية (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) ، فلم تبق الآية على ـ
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
