__________________
ـ المتعة مباحة لما أفتى بها ابن عباس ؛ إذ لا يليق بمثله أن يفتي بها مع أنها محرمة.
وثانيا : بما روي عن جابر (رضي الله عنه) قال : تمتعنا على عهد رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر ، ثم نهانا عمر.
ووجه الدلالة من هذا : أن جابرا (رضي الله عنه) أخبر أنهم استمتعوا في زمن النبيّ صلىاللهعليهوسلم وفي خلافة أبي بكر ، وفي صدر من خلافة عمر ، وهذا يدل على أن المتعة مباحة ، وإنما نهى عنها عمر من باب السياسة الشرعية.
وأما المعقول : فقد قالوا : إنها منفعة خالية من جهات القبح ، ولا نعلم فيها ضررا عاجلا ، ولا آجلا ، وكل ما هذا شأنه فهو مباح ، فالمتعة مباحة.
وأما الإجماع : فإنهم قالوا : أجمع أهل البيت على إباحتها.
وتناقش هذه الأدلة التي تمسك بها الإمامية بما يأتي :
أما الآية ، فيقال لهم فيها : إنها بمعزل عن الدلالة لكم ؛ إذ هي محمولة على النكاح الدائم ، وما يجب للمرأة من المهر كاملا إذ استمتع بها الزوج ، ويؤيد هذا أنها وردت في سياق الكلام على النكاح بالعقد المعروف بعد الكلام على أجناس يحرم التزوج بها. وتسمية المهر أجرا لا يدل على أنه أجر المتعة ، فقد سمي المهر أجرا في غير هذا الموضع كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَ) [الأحزاب : ٥٠] أي : مهورهن ، وكقوله تعالى : (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) أي : مهورهن ، وأما قراءة أبيّ وابن عباس ، فهي شاذة ، والقراءة الشاذة لا تعارض القطعي ، وهي الآية الدالة على التحريم ، وهي قوله تعالى : (إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) مع أن الدليلين إن تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة منهما ، ويقال لهم فيما روي عن ابن عباس أنه ثبت رجوعه عنه ، وقد كان يفتي بها أولا ؛ لأنه فهم من نهي النبيّ صلىاللهعليهوسلم عنها يوم خيبر ، ثم إباحتها يوم الفتح ، ثم نهيه عنها بعد ذلك ـ أن الإباحة كانت للضرورة ، والنهي عند ارتفاعها يؤيد ذلك ما روي عن شعبة عن أبي جمرة قال : سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء ، فرخص فيها ، فقال له مولى له : إنما ذلك في الحال الشديد ، وفي النساء قلة ، فقال ابن عباس : نعم فإنه يعلم من هذا أن ابن عباس كان يتأول في إباحة نكاح المتعة لمضطر إليه ، ثم توقف بعد ذلك لما ثبت له النسخ.
ومما يؤيد رجوع ابن عباس ما أخرجه الترمذي ، أن ابن عباس قال : إنما كانت المتعة في أول الإسلام ، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة ، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم ، فتحفظ له متاعه ، وتصلح له شأنه ، حتى نزلت : (إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) [المؤمنون : ٦] و [المعارج : ٣٠] فقال ابن عباس : فكل فرج سواهما حرام.
وقد روى رجوعه أيضا البيهقي وأبو عوانة في صحيحه ، وروي عنه أنه قال عند موته : «اللهمّ إنّي أتوب إليك من قولي في المتعة والصرف ، وعليه فلا يصح الاحتجاج بفتوى ابن عباس ، وقد رجع عنها». ويقال لهم في أثر جابر : إن قوله : «تمتعنا إلخ ...» يحمل على أن من تمتع لم يبلغه النسخ ، حتى نهى عنها عمر ، أو يكون جابر (رضي الله عنه) قال ذلك لفعلهم في زمن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ثم لم يبلغه النسخ ، حتى نهى عنها عمر ، فاعتقد أن الناس باقون على ذلك ؛ لعدم الناقل عنده ، والقول بأن عمر هو الذي نهى عنها ، وأن ذلك من قبيل السياسة الشرعية غير مسلم ؛ فإن عمر إنما قصد الإخبار عن تحريم النبيّ صلىاللهعليهوسلم ونهيه عنها ، إذ لا يجوز أن ينهى عما كان النبيّ صلىاللهعليهوسلم أباحه وبقي على إباحته. ومما يؤيد أن نهيه ـ
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
