آخر وقتها (١) ، وروى بشير بن كعب ، والحسن ؛ أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «إنّ الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ، ويغلب على عقله» (٢).
قال ع (٣) : لأنّ الرجاء فيه باق ، ويصحّ منه النّدم والعزم على الترك ، وقوله تعالى : (مِنْ قَرِيبٍ) ، إنما معناه : من قريب إلى وقت الذّنب ، ومدّة الحياة كلّها قريب ، والمبادرة في الصّحّة أفضل ، قلت : بل المبادرة واجبة.
وقوله تعالى : (وَكانَ اللهُ عَلِيماً) ، أي : بمن يتوب ، وييسّره هو سبحانه للتّوبة (حَكِيماً) : فيما ينفذه من ذلك ، وفي تأخير من يؤخّر حتّى يهلك ، ثم نفى بقوله تعالى : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ ...) الآية : أن يدخل في حكم التائبين من حضره موته ، وصار في حيّز اليأس ؛ كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء ، والغرق ، فلم ينفعه ما أظهره من الإيمان ؛ وبهذا قال ابن عبّاس وجماعة المفسّرين (٤).
قال ع (٥) : والعقيدة عندي في هذه الآيات : أن من تاب من قريب ، فله حكم التائب ، فيغلب الظّنّ عليه ؛ أنه ينعّم ولا يعذّب ؛ هذا مذهب أبي المعالي وغيره.
وقال غيرهم : بل هو مغفور له قطعا لإخبار الله تعالى بذلك ، وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة ، ومن لم يتب حتّى حضره الموت ، فليس في حكم التائبين ، فإن كان كافرا ، فهو يخلّد ، وإن كان مؤمنا ، فهو عاص في المشيئة ، لكن يغلب الخوف عليه ، ويقوى الظنّ في تعذيبه ، ويقطع من جهة السمع ؛ أنّ من هذه الصّنيفة من يغفر الله تعالى له ؛ تفضّلا منه لا يعذّبه.
وأعلم الله تعالى أيضا ؛ أنّ الذين يموتون ، وهم كفّار ؛ فلا مستعتب لهم ، ولا توبة في الآخرة.
وقوله تعالى : (أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) : إن كانت الإشارة إلى الذين يموتون ، وهم كفّار ، فقط ، فالعذاب عذاب خلود مؤبّد ، وإن كانت الإشارة إليهم وإلى من ينفذ عليه الوعيد ممّن لا يتوب إلّا مع حضور الموت / ، فهو في جهة هؤلاء عذاب لا خلود معه ،
__________________
(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢ / ٢٥)
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ينظر : «المحرر الوجيز» (٢ / ٢٥)
(٤) أخرجه الطبري (٣ / ٦٤٥) برقم (٨٨٦٣)
(٥) ينظر : «المحرر الوجيز» (٢ / ٢٥)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
