يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة ، فإذا صاروا في هذه الدّرجة ، كانوا أهلا للاستشارة.
قال ع (١) : ومن لا يستشير أهل العلم والدّين ، فعزله واجب ، هذا ممّا لا خلاف فيه ، وقد وردت أحاديث كثيرة في الاستشارة ، ومشاورته ـ عليهالسلام ـ إنما هي في أمور الحرب والبعوث ونحوه من أشخاص النّوازل ، فأما في حلال ، أو حرام ، أو حدّ ، فتلك قوانين شرع ، ما فرّطنا في الكتاب من شيء ، والشورى مبنيّة على اختلاف (٢) الآراء ، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ، ويتخيّر ، فإذا أرشده الله إلى ما شاء منه ، عزم عليه ، وأنفذه متوكّلا على الله ؛ إذ هو غاية الاجتهاد المطلوب منه ، وبهذا أمر الله تعالى نبيّه في هذه الآية ، وصفة المستشار في الأحكام أن يكون عالما ديّنا ، وقلّما يكون ذلك إلّا في عاقل ، فقد قال الحسن ابن أبي الحسن : ما كمل دين امرئ لم يكمل عقله (٣).
قال ع (٤) : والتوكّل على الله سبحانه وتعالى من فروض الإيمان وفصوله ، ولكنّه مقترن بالجدّ في الطاعات ، والتّشمير والحزامة بغاية الجهد ، وليس الإلقاء باليد وما أشبهه
__________________
(١) ينظر : «المحرر الوجيز» (١ / ٥٣٤)
(٢) الشورى : مصدر بمعنى التشاور ، يقال : تشاور القوم إذا اجتمعوا على الأمر ؛ ليستشير كل واحد منهم صاحبه ، ويستخرج ما عنده من رأي ، من قولهم : شرت الدابة : إذا عرضتها على مشتريها ليبلوها وينظر ما عندها ، وبالعرض يعلم خيرها وشرها ، فكذلك بالتشاور يعلم خير الأمور وشرها.
والشورى دعامة الحكومة الإسلامية ، وعليها مدار انتظامها وحسن سلوكها وسعادتها ، فأعدل الحكومات هي الحكومة الشورية ، لذلك عنى الله (سبحانه وتعالى) بأمرها حتى قرر أصولها ، في كثير من آيات الذكر الحكيم ، وأمر بها رسوله المعصوم ، قال تعالى : (وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) [الشورى : ٣٨] ، فامتدحهم بأن أمرهم شورى بينهم وقرنوه بأصل الإيمان ، وهو الاستجابة إلى الله ، وبأقوى أركانه وهو الصلاة ، وفي هذا تنويه بشأنها ، وإعلاء من أمرها ، وتنبيه على أنها من أصول الإسلام ودعائمه.
وقال تعالى لنبيه صلىاللهعليهوسلم : (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [آل عمران : ١٥٩].
روي عن الحسن البصري ؛ أنه قال في تفسير هذه الآية : «قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة ، ولكن أراد أن يستنّ به من بعده».
وقال البيضاوي في تفسيرها : عاملهم معاملة العفو والصفح فيما يختص بك ، واطلب المغفرة لهم ، واستظهر برأيهم ، وشاورهم في أمر الحرب وفي كل ما تصح فيه المشاورة ؛ لتطييب نفوسهم ولتمهيد سنة المشاورة لأمتك.
ينظر : «الخلافة» لشيخنا عبد الفتاح الجوهري.
(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١ / ٥٣٤)
(٤) ينظر : «المحرر الوجيز» (١ / ٥٣٤)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
