وصواحبها مشمّرات هوارب ، ما دون أخذهنّ قليل ، ولا كثير ؛ إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه ، يريدون النّهب ، وخلّوا ظهورنا للخيل ، فأوتينا من أدبارنا ، وصرخ صارخ ألا إنّ محمّدا قد قتل ، وانكفأ علينا القوم.
وقوله سبحانه : (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا) ، يعني بهم الذين حرصوا على الغنيمة ، وكان المال همّهم ؛ قاله ابن عبّاس (١) ، وسائر المفسّرين ، وقال عبد الله بن مسعود : ما كنت أرى أنّ أحدا من أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوسلم يريد الدنيا ؛ حتى نزل فينا يوم أحد : (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا) (٢).
وقوله سبحانه : (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) إخبار عن ثبوت من ثبت من الرّماة ، مع عبد الله بن جبير ؛ امتثالا للأمر حتى قتلوا ، ويدخل في هذا أنس بن النّضر ، وكلّ من جدّ ولم يضطرب من المؤمنين.
(إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(١٥٥)
وقوله تعالى : (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ) العامل في إذ قوله : «عفا» ، وقراءة (٣) الجمهور «تصعدون» (بضم التاء ، وكسر العين) ؛ من : أصعد ، ومعناه : ذهب في الأرض ، والصعيد : وجه الأرض ، ف «أصعد» : معناه : دخل في الصّعيد ؛ كما أنّ «أصبح» : دخل في الصّباح.
__________________
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣ / ٤٧٢) برقم (٨٠٢٣) بنحوه ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١ / ٥٢٥) ، والسيوطي في «الدر المنثور» بنحوه (٢ / ١٥٢) ، وعزاه لابن جرير.
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣ / ٤٧٢) برقم (٨٠٢٣) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (١ / ٣٦٢) ، وابن عطية (١ / ٥٢٥) ، والسيوطي في «تفسيره» (٢ / ١٥٢)
(٣) ينظر : «المحرر الوجيز» (١ / ٥٢٥) ، و «البحر المحيط» (٣ / ٨٩) ، و «الدر المصون» (٢ / ٢٣٣)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
