وقال ـ عليهالسلام ـ للأنصار لما تعرّضوا له ؛ إذ سمعوا بقدوم أبي عبيدة بمال البحرين : «أبشروا وأمّلوا ما يسرّكم ، فو الله ، ما الفقر أخشى عليكم! ولكنّي أخشى أن تبسط الدّنيا عليكم ؛ كما بسطت على من قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، فتهلككم كما أهلكتهم» ، أخرجه البخاريّ ومسلم والترمذيّ ، واللفظ له ، وقال : هذا حديث صحيح (١). انتهى.
واعلم (رحمك الله) أنّ تيسير أسباب الدّنيا مع إعراضك عن أمر آخرتك ، ليس ذلك من علامات الفلاح ؛ وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» ، قال : أخبرنا ابن لهيعة (٢) ، قال : حدّثني سعيد بن أبي سعيد (٣) ؛ أنّ رجلا قال : يا رسول الله ، كيف لي أن أعلم كيف أنا؟ قال : «إذا رأيت كلّما طلبت شيئا من أمر الآخرة ، وابتغيته ، يسّر لك ، وإذا أردتّ شيئا من الدّنيا ، وابتغيته ، عسّر عليك ، فأنت على حال حسنة ، وإذا رأيت كلّما طلبت شيئا من أمر الآخرة ، وابتغيته ، عسّر عليك ، وإذا أردتّ شيئا من أمر الدّنيا ، وابتغيته ، يسّر لك ، فأنت على حال قبيحة» (٤). انتهى ، فتأمّله راشدا ، وقوله : (مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ) ، يعني : هزيمة المشركين ، قال الزّبير (٥) : والله ، لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة (٦) ،
__________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي الغافقي ، أبو عبد الرّحمن المصري ، قاضيها وعالمها. عن عطاء ، والأعرج ، وعكرمة ، وخلق. وعنه شعبة ، وعمرو بن الحارث ، والليث ، وابن وهب ، وخلق. قال أحمد : احترقت كتبه وهو صحيح الكتاب. قال مسلم : تركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي. قال يحيى بن بكير : مات سنة ١٧٤ ه.
ينظر : «خلاصة تهذيب الكمال» (٢ / ٩٢) ، و «تهذيب الكمال» (٢ / ٧٢٧) ، و «الكاشف» (٢ / ١٢٢) ، و «ميزان الاعتدال» (٢ / ٤٧٥ ، ٤٨٣) ، و «طبقات ابن سعد» (٧ / ٢٠٤)
(٣) سعيد بن أبي سعيد المقبري ، أبو سعيد المدني ، أرسل عن أم سلمة ، وعن أبيه ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وأنس ، وخلق. وعنه عمرو بن شعيب ، وأيوب بن موسى ، وعبيد الله بن عمر ، والليث ، وهو أثبت الناس فيه ، قال ابن خراش : ثقة جليل ، قال الواقدي : اختلط قبل موته بثلاث سنين. قال ابن سعد : مات سنة ثلاث وعشرين ، وقال أبو عبيد : سنة خمس وعشرين ومائة.
ينظر : «تهذيب الكمال» (١ / ٤٩٠) ، و «الثقات» (٤ / ٢٧٨) ، و «الخلاصة» (١ / ٣٨٠) ، و «لسان الميزان» (٧ / ٢٢٩)
(٤) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٢٩) رقم (٨٨) ووقع في «الزهد» : «شعيب بن أبي سعيد».
(٥) أخرجه الطبري (٣ / ٤٧٠) برقم (٨٠٠٨) ، وذكره ابن عطية (١ / ٥٢٥)
(٦) هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّة ، والدة معاوية بن أبي سفيان ، شهدت أحدا ، وفعلت ما فعلت بحمزة ، ثم كانت تؤلّب على المسلمين إلى أن جاء الله بالفتح فأسلم زوجها ثم أسلمت هي يوم الفتح ؛ وقصّتهما (في قولها عند بيعة النساء : (وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ) ؛ فقالت : وهل تزني الحرّة؟) ينظر : «الإصابة» (٨ / ٣٤٦)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
