ومن وقاه الله وحفظه من داء الشح (البخل مع الحرص) فأنفق في سبيل الله ووجوه الخير ، فأولئك هم الفائزون بما يطلبون. أخرج البخاري في تاريخه وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النّبي صلىاللهعليهوسلم قال : «شرّ ما في الرجل : شحّ هالع ، وجبن خالع».
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) (١) [آل عمران : ٣ / ١٠٢] اشتدّ على القوم العمل ، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم ، وتقرّحت جباههم ، فأنزل الله تخفيفا على المسلمين : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إذا أمرتكم بأمر ، فأتوا منه ما استطعتم ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه».
ثم أكّد الله تعالى الحث على النفقة ، بقوله : فيما معناه : إن تتصدقوا صدقة حسنة بإخلاص وطيب نفس ، يضاعف الله الثواب لكم أضعافا مضاعفة ، ويغفر لكم أيضا ذنوبكم ، والله يجزي الكثير على القليل ، تام الشكر ، أي يعطي على الطاعة الجزيل بالقليل ، واسع الحلم ، أي لا يعاجل بالعقوبة على المعصية. وقوله : (شَكُورٌ) إخبار بمجازاته تعالى على الشيء ، وأنه يحط به عمن شاء عظائم الأمور.
ثم رغّب الله ترغيبا زائدا بالنفقة ، وهو أن الله تعالى شامل العلم بما غاب عنكم وما حضر ، غالب قاهر ، ذو حكمة بالغة ، يضع الأمور في مواضعها الصحيحة. إن التحذير من فتنة المال والتعلّق به ، ثم توالي تأكيدات ثلاثة على الإنفاق بأساليب متنوعة ، ترويض على اقتلاع داء البخل من النفس ، وحمل للنفس على ادّخار ثواب النفقة في سبيل الخير والمعروف عند الله تعالى الذي لا تضيع عنده الودائع.
__________________
(١) أي فيما استطعتم ، إذ لا يطيع أحد فوق طاقته واستطاعته.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
