وَتَصْفَحُوا)الآية ، أي إن سبب الآية أن قوما آمنوا بالله تعالى ، وثبّطهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة ، فلم يهاجروا إلا بعد مدة ، فوجدوا غيرهم قد تفقّه في الدين ، فندموا وأسفوا وهموا بمعاقبة أزواجهم وأولادهم
يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله ، إن بعض أزواجكم وأولادكم عدو لكم عداوة أخروية ، في غير صالحكم ، يشغلونكم عن الخير والعمل الصالح المفيد لكم في الآخرة ، فاحذروا أن تؤثروا حبّهم وشفقتكم عليهم على طاعة الله تعالى. ثم رغّب الله تعالى بالعفو عنهم ، فإن تعفوا عن ذنوب أزواجكم وأولادكم ، وتصفحوا بترك اللوم عليها ، وتستروا الأخطاء تمهيدا لمعذرتهم فيها ، فالله واسع المغفرة لذنوب عباده ، شامل الرحمة بهم ، يعامل الناس بأحسن مما عملوا.
ثم أخبر الله تعالى أن الأموال والأولاد فتنة أي موضع اختبار ومحنة ، تشغل المرء عن مراشده ، وتحمله على إيثار الدنيا على الآخرة ، والوقوع فيما لا يحمد عليه ، ومنه قوله صلىاللهعليهوسلم ـ فيما أخرجه أبو يعلى في مسنده ـ : «الولد مبخلة مجبنة». والله عنده الثواب الجليل لمن آثر طاعة الله تعالى ، وترك التورّط في المعصية ، بسبب محبة ولده وماله. وهذا تزهيد في الدنيا ، وترغيب في الآخرة. أخرج أحمد والترمذي والحاكم والطبراني عن كعب بن عياض قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «إن لكل أمّة فتنة ، وإن فتنة أمّتي المال».
والتخلّص من الفتنة : بالتقوى والطاعة ، فأمر الله بالتقوى : وهي التزام الأوامر واجتناب النواهي ، بقدر الطاقة والجهد ، وأمر بالاستماع للأوامر وإطاعتها ، والإنفاق من الأموال التي رزق الله بها العباد في وجوه الخير. وقوله : (خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ) منصوب بقوله : (أَنْفِقُوا). والخير هنا : المال ، أو نعت لمصدر محذوف تقديره : إنفاقا خيرا. ففي الإنفاق خير للأنفس في الدنيا والآخرة.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
