وهذه الأنباء وما فيها من عبرة وعظة وهداية : حكمة بالغة كاملة ، قد بلغت منتهى البيان ، ليس فيها نقص ولا خلل ، فلا تفيدهم الإنذارات شيئا بسبب عنادهم الذي يصرفهم عن الحق ، كما جاء في آية أخرى : (وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) [يونس : ١٠ / ١٠١] وكلمة (ما) إما نافية ، أو استفهامية بمعنى التقرير ، أي فما غناء النذر مع هؤلاء الكفرة؟ والحكمة البالغة : هي المؤثرة تأثيرا بالغا في وعظ النفوس.
فأعرض عنهم يا محمد ، ولا تتعب نفسك بدعوتهم ، حيث لا يؤثر الإنذار فيهم ، بعد هذا العناد والمكابرة ، وانتظرهم ، واذكر يوم يدعو الداعي فيه وهو إسرافيل ، إلى شيء هائل تنكره نفوسهم ، استعظاما له ، إذ لا عهد لهم بمثله أبدا ، وهو موقف الحساب الرهيب ، وما يشتمل عليه من الأهوال والبلايا. وكلمة (نكر) : منكور غير معروف ، ولا يرى مثله ، وهو نعت للأمر الشديد ، وهذا وعيد لهم.
وذلك اليوم هو يوم يخرج الناس من قبورهم ، ويكون الكفار ذليلة أبصارهم ، من الذل والهوان ، كأنهم لانتشارهم واختلاطهم إذا توجهوا نحو المحشر والداعي : جراد منتشر موزع في الآفاق ، أو مثل الفراش المبثوث ، كما في آية أخرى : (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) (٤) [القارعة : ١٠١ / ٤].
ويكونون مهطعين ، أي مسرعين في مشيهم نحو المقصد ، إما لخوف أو طمع ونحوه ، ويسيرون نحو الداعي لهم وهو إسرافيل دون تلكؤ ولا تأخر ، ويقول الكافرون : هذا يوم صعب ، شديد الهول على الكفار ، ولكنه ليس بشديد على المؤمنين. وشدته لما يرون من مخايل هوله وعلامات مشقته. وذلك كما جاء في آية أخرى : (فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) (١٠) [المدثر : ٧٤ / ٩ ـ ١٠].
ويدل ذلك بطريق المفهوم على أنه يوم هيّن يسير على المؤمنين.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
