ولا تعجب أيها الرسول من إعراض قومك عن رسالتك ، فهذه سيرة الأولين الغابرين ، فإنه لم يأتهم نبي ولا رسول إلا كانوا به يكذبون ويسخرون ، كتكذيب قومك واستهزائهم بك. وقوله : (كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) ظاهرة العموم ، والمراد به الخصوص ، فيمن استهزءوا ، وإلا فقد كان في الأولين : من لم يستهزئ. والآية وعيد لهم وتهديد بأن يصيبهم ما أصاب أشد منهم بطشا.
لقد أهلكنا قوما هم أشد قوة من هؤلاء القوم المكذبين لك أيها النبي ، وقد سبق إيراد مواقفهم أكثر من مرة ، وعرفت سنة الله فيهم. فعليهم أن ينظروا في مصائر المتقدمين ، ليحذروا الوقوع في مثل مصائرهم. وكلمة (مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) معناها : سنة أو سيرة أو عقوبة المتقدمين ، والمعنى : سلف أمرهم وسنتهم ، وصاروا عبرة للأمم. والأولون : هم الأمم الماضية كقوم نوح ، وعاد وثمود وغيرهم. والمراد : أننا جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين : أن يصيبهم مثل ما أصابهم ، كما جاء في آية أخرى : (فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ) [الزخرف : ٤٣ / ٥٦].
هذه حملة مركزة على قريش وأمثالهم ، حيث لا عذر لهم في ترك إجابة دعوة النبي صلىاللهعليهوسلم ، فقد وضحت أمامهم السّبل ، وكثر تذكيرهم ، وتجاوزوا الحدود في الإسراف والعصيان ، وضربت لهم الأمثال ، وجعلت أمامهم العبر والمواعظ ، فلم يبق عندهم عذر في معارضة دعوة الإسلام ، فليتهم بادروا إلى الإيمان بالله وحده ، وترك الاستهزاء ، وإذا لم يتعظوا وأصروا على الكفر والتكذيب ، استحقوا إنزال العذاب وألوان الخزي والهوان ، كما نزل بمن قبلهم من ألوان العقاب والإهلاك والتدمير بسبب كفرهم وتكذيبهم رسولهم ، والعاقل : من اتعظ بغيرهم ، وأقلع عن المعصية إذا شاهد عقوبة العصاة.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
