الثالث ـ ولا تطيعوا أمر الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي ، وارتكاب الخطايا والتّرف والمجون ، ويفسدون في الأرض فسادا خالصا ، ليس معه شيء من الصلاح. وقال : (وَلا يُصْلِحُونَ) بعد قوله : (يُفْسِدُونَ) لبيان أن فسادهم تام خالص.
فأبى قوم ثمود نصيحة نبيّهم صالح عليهالسلام ودعوته إلى عبادة ربّهم عزوجل ، وبادروا إلى اتّهامه بأنه مغلوب على عقله بالسحر ، أي قد سحرت ، فأنت لذلك مخبول ، لا تنطق بكلام قويم.
وإنك مجرد بشر مثلنا ، لم ينزل عليك وحي من الله دوننا ، كما جاء في آية أخرى :
(أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)) [القمر : ٥٤ / ٢٥ ـ ٢٦]. وإن كنت صادقا فيما تدّعي من النّبوة ، فأت بعلامة تدلّ على صدقك. روي أنهم اقترحوا خروج ناقة من جبل من جبالهم.
فلما خرجت الناقة بدعاء صالح عليهالسلام أن يجيبهم ربه إلى سؤالهم ، قال : هذه آية دليل على صدقي ، وهي معجزة لا يستطيعها غير نبي بإذن الله وإيجاده ؛ ترد ماءكم يوما فتشربه كله ، وتردونه يوما آخر أنتم ، وتحلبون منها ما شئتم.
وإياكم أن تصيبوها بأذى من ضرب أو قتل أو عقر ، أو غير ذلك ، فيصيبكم عذاب شديد. ووصف اليوم بصفة (عَظِيمٍ) للدلالة على عظم أهواله ، فعقروا النّاقة ، أي ذبحوها بعد أن قطعوا قوائمها بالسيف ، بفعل قدار الأحمر. ونسب العقر إلى جميعهم لأنهم اتّفقوا معه على ذلك رأيا وتدبيرا ، فنزل عليهم عذاب من الله : وهو الزلزال الشديد ، والصيحة التي اقتلعت القلوب من مواضعها.
إن في ذلك المذكور من قصة صالح عليهالسلام ، وتكذيب قومه لرسالته ، وذبحهم الناقة التي هي معجزة من عند الله ، لعبرة وعظة لمن اعتبر واتّعظ ، ولم يكن أكثرهم
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
